السيد الطباطبائي

429

تفسير الميزان

في القلب بعروض شك أو اضطراب أو اعتراض أو سخط في شئ مما يصيبه مما لا ترتضيه النفس ، ولا في خلق ولا في عمل ، والدليل على أن المراد به ذلك قوله في ذيل الآية ( أولئك الذين صدقوا ) فقد أطلق الصدق ولم يقيده بشئ من أعمال القلب والجوارح فهم مؤمنون حقا صادقون في إيمانهم كما قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) النساء - 68 ، وحينئذ ينطبق حالهم على المرتبة الربعة من مراتب الايمان التي مر بيانها في ذيل قوله تعالى : ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت ) البقرة - 131 . ثم ذكر تعالى نبذا من أعمالهم بقوله : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، فذكر الصلاة - وهي حكم عبادي - وقد قال تعالى : ( إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ) العنكبوت - 45 ، وقال : ( وأقم الصلاة لذكرى ) طه - 14 ، وذكر الزكاة - وهي حكم مالي فيه صلاح المعاش - وذكر قبلهما إيتاء المال وهو بث الخير ونشر الاحسان غير الواجب لرفع حوائج المحتاجين وإقامة صلبهم . ثم ذكر سبحانه نبذا من جمل أخلاقهم بقوله : والموفون بعدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ، فالعهد هو الالتزام بشئ والعقد له - وقد أطلقه تعالى - وهو مع ذلك لا يشمل الايمان والالتزام بأحكامه كما توهمه بعضهم - لمكان قوله إذا عاهدوا ، فان الالتزام بالايمان ولوازمه لا يقبل التقيد بوقت دون وقت - كما هو ظاهر - ولكنه يشتمل بإطلاقه كل وعد وعده الانسان وكل قول قاله التزاما كقولنا : لأفعلن كذا ولأتركن ، وكل عقد عقد به في المعاملات والمعاشرات ونحوها ، والصبر هو الثبات على الشدائد حين تهاجم المصائب أو مقارعة الاقران ، وهذان الخلقان وإن لم يستوفيا جميع الأخلاق الفاضلة غير أنهما إذا تحققا تحقق ما دونهما ، والوفاء بالعهد والصبر عند الشدائد خلقان يتعلق أحدهما بالسكون والاخر بالحركة وهو الوفاء فالاتيان بهذين الوصفين من أوصافهم بمنزلة أن يقال : إنهم إذا قالوا قولا أقدموا عليه ولم يتجافوا عنه بالزوال . وأما ما عرفهم به ثانيا بقوله : أولئك الذين صدقوا ، فهو وصف جامع لجمل فضائل العلم والعمل فان الصدق خلق يصاحب جميع الأخلاق من العفة والشجاعة