السيد الطباطبائي
383
تفسير الميزان
مت فقد وقع أجرك على الله الحديث . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : وإن مت إلخ إشارة إلى قوله تعالى : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) النساء - 100 ، وفيه دلالة على أن الخروج إلى الجهاد مهاجرة إلى الله ورسوله . وفي الكافي عن الصادق عليه السلام : في إسماعيل النبي الذي سماه الله سبحانه صادق الوعد ، قال عليه السلام إنما سمي صادق الوعد ، لأنه وعد رجلا في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة ، فسماه الله عز وجل صادق الوعد ، ثم إن الرجل أتاه بعد ذلك الوقت فقال له إسماعيل ما زلت منتظرا لك الحديث . أقول : وهذا أمر ربما يحكم العقل العادي بكونه منحرفا عن جادة الاعتدال مع أن الله سبحانه جعله منقبة له عليه السلام حتى عظم قدره ورفع ذكره بقوله : ( واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ) مريم - 55 ، فليس ذلك إلا أن الميزان الذي وزن به هذا العمل غير الميزان الذي بيد العقل العادي ، فللعقل العادي تربية بتدبيره ولله سبحانه تربية لأوليائه بتأييده ، وكلمة الله هي العليا ، ونظائر هذه القضية كثيرة مروية منقولة عن النبي والأئمة والأولياء . فان قلت : كيف يمكن مخالفة الشرع مع العقل في ما للعقل إليه سبيل . قلت : أما حكم العقل فيما له إليه سبيل ففي محله ، لكنه يحتاج إلى موضوع يقع عليه حكمه ، وقد عرفت في ما تقدم أن أمثال هذه العلوم في المسلك الثالث الذي ذكرناه لا تبقى للعقل موضوعا يحكم فيه وعليه ، وهذا سبيل المعارف اللاهية والظاهر أن إسماعيل النبي عليه السلام كان أطلق القول بوعد بأن قال : أنتظرك ههنا حتى تعود إلى ثم التزم على إطلاق قوله صونا لنفسه عن نقض العهد والكذب في الوعد وحفظا لما القى الله في روعه وأجراه على لسانه ، وقد روي نظيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنه كان عند المسجد الحرام فوعده بعض أصحابه بالرجوع إليه ووعدة النبي بانتظاره حتى يرجع فذهب في شأنه ولم يرجع ، فانتظره النبي ثلاثة أيام في مكانه الذي وعده حتى مر به الرجل بعد الثلاثة ، وهو جالس ينتظر والرجل قد نسي الوعد ، الحديث .