السيد الطباطبائي

374

تفسير الميزان

ربه ، واستحضار أسمائه الحسنى ، وصفاته الجميلة المنزهة عن النقص والشين ولا تزال تزيد نفسه انجذابا ، وتترقى مراقبة حتى صار يعبد الله كأنه يراه وأن ربه يراه ، ويتجلي له في مجالي الجذبة والمراقبة والحب فيأخذ الحب في الاشتداد لان الانسان مفطور على حب الجميل ، وقد قال تعالى : ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) البقرة - 165 ، وصار يتبع الرسول في جميع حركاته وسكناته لان حب الشئ يوجب حب آثاره ، والرسول من آثاره وآياته كما أن العالم أيضا آثاره وآياته تعالى ، ولا يزال يشتد هذا الحب ثم يشتد حتى ينقطع إليه من كل شئ ، ولا يحب إلا ربه ، ولا يخضع قلبه إلا لوجهه فان هذا العبد لا يعثر بشئ ، ولا يقف على شئ وعنده شئ من الجمال والحسن إلا وجد أن ما عنده أنموذج يحكي ما عنده من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يحد ، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء ، وكل ما كان لغيره فهو له ، لان كل ما سواه آية له ليس له إلا ذلك ، والآية لا نفسية لها ، وإنما هي حكاية تحكي صاحبها ، وهذا العبد قد استولى سلطان الحب على قلبه ، ولا يزال يستولي ، ولا ينظر إلى شئ إلا لأنه آية من آيات ربه ، وبالجملة فينقطع حبه عن كل شئ إلى ربه ، فلا يحب شيئا إلا لله سبحانه وفي الله سبحانه . وحينئذ يتبدل نحو إدراكه وعمله فلا يرى شيئا إلا ويرى الله سبحانه قبله ومعه ، وتسقط الأشياء عنده من حيز الاستقلال فما عنده من صور العلم والادراك غير ما عند الناس لأنهم إنما ينظرون إلى كل شئ من وراء حجاب الاستقلال بخلافه ، هذا من جهة العلم ، وكذلك الامر من جهة العمل فإنه إذا كان لا يحب إلا لله فلا يريد شيئا إلا لله وابتغاء وجهه الكريم ، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف ، ولا يختار ، ولا يترك ، ولا ييأس ولا يستوحش ، ولا يرضى ، ولا يسخط إلا لله وفي الله فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض وتتبدل غاية أفعاله فإنه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال لأنه فضيلة انسانية ، ويحذر الفعل أو الخلق لأنه رذيلة إنسانية . وأما الآن وأما الآن يريد وجه ربه ، ولا هم له في فضيلة ولا رذيلة ، ولا شغل له بثناء جميل ، وذكر محمود ، ولا التفات له إلى دنيا أو آخرة أو جنة أو نار ، وإنما همه ربه ، وزاده ذل عبوديته ، ودليله حبه . روت لي أحاديث الغرام صبابة . بإسنادها عن جيرة العلم الفرد . وحدثني مر النسيم عن الصبا . عن الدوح عن وادي الغضا عن ربى نجد .