السيد الطباطبائي

361

تفسير الميزان

خلاق الاجتماعية ، أو الفهم العام العادي الذي هو أساس التكاليف العامة الدينية ، فللعقل أحكام ، وللحب إحكام ، وسيجئ توضيح هذا المعنى في بعض الأبحاث الآتية إنشاء الله تعالى . قوله تعالى : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون الآية . التدبر في الآية يعطي أن الصلاة غير الرحمة بوجه ، ويشهد به جمع الصلاة وإفراد الرحمة وقد قال تعالى : ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ) الأحزاب - 43 ، والآية تفيد كون قوله : ( وكان بالمؤمنين رحيما ، في موقع العلة لقوله : هو الذي يصلي عليكم ، والمعنى انه انما يصلي عليكم ، وكان من اللازم المترقب ذلك ، لان عادته جرت على الرحمة بالمؤمنين ، وأنتم مؤمنون فكان من شأنكم أن يصلي عليكم حتى يرحمكم ، فنسبة الصلاة إلى الرحمة نسبة المقدمة إلى ذيها وكالنسبة التي بين الالتفات والنظر ، والتي بين الالقاء في النار والاحراق مثلا ، وهذا يناسب ما قيل في معنى الصلاة : أنها الانعطاف والميل ، فالصلاة من الله سبحانه انعطاف إلى العبد بالرحمة ومن الملائكة انعطاف إلى الانسان بالتوسط في إيصال الرحمة ، ومن المؤمنين رجوع ودعاء بالعبودية وهذا لا ينافي كون الصلاة بنفسها رحمة ومن مصاديقها ، فإن الرحمة في القرآن على ما يعطيه التدبر في مواردها هي العطية المطلقة الإلهية ، والموهبة العامة الربانية ، كما قال تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شئ ) الأعراف - 156 ، وقال تعالى : ( وربك الغني ذو الرحمة إن يشا يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) الانعام - 133 ، فالاذهاب لغناه والاستخلاف والانشاء لرحمته ، وهما جميعا يستندان إلى رحمته كما يستندان إلى غناه فكل خلق وأمر رحمة ، كما أن كل خلق وأمر عطية تحتاج إلى غني ، قال تعالى : ( وما كان عطاء ربك محظورا ) الاسراء - 20 ، وإن عطيته الصلاة فهي أيضا من الرحمة غير أنها رحمة خاصة ، ومن هنا يمكن أن يوجه جمع الصلاة وإفراد الرحمة في الآية . قوله تعالى : وأولئك هم المهتدون كأنه بمنزلة النتيجة لقوله : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، ولذلك جدد اهتدائهم جملة ثانية مفصولة عن الأولى ، ولم يقل : صلوات من ربهم ورحمة وهداية ، ولم يقل : وأولئك هم المهديون بل ذكر قبولهم للهداية بالتعبير بلفظ الاهتداء الذي هو فرع مترتب على الهداية ، فقد تبين