السيد الطباطبائي
357
تفسير الميزان
في كسب كل كمال ، وترك كل نقص بالاستناد إلى حتم القضاء وحقيقة الكتاب ، وفي ذلك بطلان كل كمال . قلت : قد ذكرنا في البحث عن القضاء ، ما يتضح به الجواب عن هذا الاشكال ، فقد ذكرنا ثم أن الافعال الانسانية من أجزاء علل الحوادث ، ومن المعلوم أن المعاليل والمسببات يتوقف وجودها على وجود أسبابها وأجزاء أسبابها ، فقول القائل : إن الشبع إما مقضي الوجود ، وإما مقضي العدم ، وعلى كل حال فلا تأثير للاكل غلط فاحش ، فإن الشبع فرض تحققه في الخارج لا يستقيم إلا بعد فرض تحقق الاكل الاختياري الذي هو أحد أجزاء علله ، فمن الخطأ أن يفرض الانسان معلولا من المعاليل ، ثم يحكم بإلغاء علله أو شئ من أجزاء علله . فغير جايز أن يبطل الانسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حياته الدنيوية وإليه تنتسب سعادته وشقائه ، وهو أحد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من أفعاله أو الأحوال والملكات الحاصلة من أفعاله ، غير أنه كما لا يجوز له إخراج إرادته واختياره من زمرة العلل ، وإبطال حكمه في التأثير ، كذلك لا يجوز له أن يحكم بكون اختياره سببا وحيدا ، وعلة تامة إليه تستند الحوادث ، من غير أن يشاركه شئ آخر من أجزاء العالم والعلل الموجودة فيه التي في رأسها الإرادة الإلهية فإنه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة كالعجب والكبر والبخل ، والفرح والاسى ، والغم ونحو ذلك . يقول الجاهل : أنا الذي فعلت كذا وتركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل بماله - وهو جاهل بأن بقية الأسباب الخارجة عن اختياره الناقص ، وهي ألوف وألوف لو لم يمهد له الامر لم يسد اختياره شيئا ، ولا أغني عن شئ - يقول الجاهل : لو أني فعلت كذا لما تضررت بكذا ، أو لما فات عني كذا ، وهو جاهل بأن هذا الفوت أو الموت يستند عدمه - أعني الربح أو العافية ، أو الحياة - إلى ألوف وألوف من العلل يكفي في انعدامها - أعني في تحقق الفوات أو الموت - انعدام واحد منها ، وإن كان اختياره موجودا ، على أن نفس اختيار الانسان مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الانسان فالاختيار لا يكون بالاختيار .