السيد الطباطبائي

355

تفسير الميزان

إزالة صفة الجبن واقتناء ملكة الشجاعة كان عليه أن يكرر الورود في الشدائد والمهاول التي تزلزل القلوب وتقلقل الأحشاء ، وكلما ورد في مورد منها وشاهد أنه كان يمكنه الورود فيه وأدرك لذة الاقدام وشناعة الفرار والتحذر انتقشت نفسه بذلك انتقاشا بعد انتقاش حتى تثبت فيها ملكة الشجاعة ، وحصول هذه الملكة العلمية وإن لم يكن في نفسه بالاختيار لكنه بالمقدمات الموصلة إليه كما عرفت اختياري كسبي . إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن الطريق إلى تهذيب الأخلاق واكتساب الفاضلة منها أحد مسلكين : المسلك الأول : تهذيبها بالغايات الصالحة الدنيوية ، والعلوم والآراء المحمودة عند الناس كما يقال : إن العفة وقناعة الانسان بما عنده والكف عما عند الناس توجب العزة والعظمة في أعين الناس والجاه عند العامة ، وإن الشره يوجب الخصاصة والفقر ، وإن الطمع يوجب ذلة النفس المنيعة ، وإن العلم يوجب إقبال العامة والعزة والوجاهة والانس عند الخاصة ، وإن العلم بصر يتقى به الانسان كل مكروه ، ويدرك كل محبوب وإن الجهل عمى ، وإن العلم يحفظك وأنت تحفظ المال ، وإن الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلون والحمد من الناس على أي تقدير سواء غلب الانسان أو غلب عليه بخلاف الجبن والتهور ، وإن العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية ، وهي الحياة بعد الموت ببقاء الاسم وحسن الذكر وجميل الثناء والمحبة في القلوب . وهذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه علم الأخلاق ، والمأثور من بحث الأقدمين من يونان وغيرهم فيه . لم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بنائه على انتخاب الممدوح عند عامة الناس عن المذموم عندهم ، والاخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما يستقبحه ، نعم ربما جرى عليه كلامه تعالى فيما يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخروي أو عقاب أخروي كقوله تعالى : ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ) البقرة - 150 ، دعا سبحانه إلى العزم والثبات ، وعلله بقوله : لئلا يكون ، وكقوله تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ) الأنفال - 46 ، دعا سبحانه إلى الصبر وعلله بأن تركه وإيجاد النزاع يوجب الفشل وذهاب الريح وجرئة العدو ، وقوله تعالى ( ولمن