السيد الطباطبائي
321
تفسير الميزان
القلوب ، وعليه يدور حساب رب العالمين يوم تبلى السرائر كما قال تعالى ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) البقرة - 225 - فهي مما ليس في وسع الانسان إحصائها والإحاطة بها وتشخيصها من الحاضرين فضلا عن الغائبين إلا رجل يتولى الله أمره ويكشف ذلك له بيده ، ويمكن أن يستفاد ذلك من قوله تعالى ( ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون : ) الزخرف - 86 ، فإن عيسى داخل في المستثنى في هذه الآية قطعا - وقد شهد الله تعالى في حقه بأنه من الشهداء - كما مر في الآيتين السابقتين ، فهو شهيد بالحق وعالم بالحقيقة . والحاصل أن هذه الشهادة ليست هي كون الأمة على دين جامع للكمال الجسماني والروحاني فإن ذلك على أنه ليس معنى الشهادة خلاف ظاهر الآيات الشريفة . بل هي تحمل حقائق أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء ، ورد وقبول ، وانقياد وتمرد ، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد الله من كل شئ ، حتى من أعضاء الانسان ، يوم يقول الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا . ومن المعلوم أن هذه الكرامة ليست تنالها جميع الأمة ، إذ ليست إلا كرامة خاصة للأولياء الطاهرين منهم ، وأما من دونهم من المتوسطين في السعادة ، والعدول من أهل الايمان فليس لهم ذلك ، فضلا عن الاجلاف الجافية ، والفراعنة ، الطاغية من الأمة ، وستعرف في قوله تعالى ( ومن يطع الله والرسول فاؤلئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) النساء - 69 ، ان أقل ما يتصف به الشهداء - وهم شهداء الأعمال - أنهم تحت ولاية الله ونعمته وأصحاب الصراط المستقيم ، وقد مر إجمالا في قوله تعالى ( صراط الذين أنعمت عليهم ) فاتحة الكتاب - 7 . فالمراد بكون الأمة شهيدة أن هذه الشهادة فيهم ، كما أن المراد بكون بني إسرائيل فضلوا على العالمين ، أن هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتصف به كل واحد منهم ، بل نسب وصف البعض إلى الكل لكون البعض فيه ومنه ، فكون الأمة شهيدة هو أن فيهم من يشهد على الناس ويشهد الرسول عليهم .