السيد الطباطبائي

31

تفسير الميزان

في هذه الآيات يوجب القطع بان هؤلاء المؤمنين و ( شأنهم هذا الشأن ) فيهم بقية بعد لو تمت فيهم كانوا من الذين أنعم الله عليهم ، وارتقوا من منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم ولعلهم نوع من العلم بالله ، ذكره في قوله تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) المجادلة - 11 . فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي ارفع النعم قدرا ، يربو على نعمة الايمان التام ، وهذا أيضا نعت من نعوت الصراط المستقيم . ثم إنه تعالى على أنه كرر في كلامه ذكر الصراط والسبيل ، لم ينسب لنفسه أزيد من صراط مستقيم واحد ، وعد لنفسه سبلا كثيرة فقال عز من قائل : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) العنكبوت - 69 . وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى أحد من خلقه إلا ما في هذه الآية ( صراط الذين أنعمت عليهم الآية ) ولكنه نسب السبيل إلى غيره من خلقه ، فقال تعالى : ( قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة ) يوسف - 108 . وقال تعالى ( سبيل من أناب إلي ) لقمان - 15 . وقال : ( سبيل المؤمنين ) النساء - 114 . ويعلم منها : ان السبيل غير الصراط المستقيم فإنه يختلف ويتعدد ويتكثر باختلاف المتعبدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما ) يشير إليه قوله تعالى : ( قد جائكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بأذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) المائدة - 16 ، فعد السبل كثيرة والصراط واحدا وهذا الصراط المستقيم اما هي السبل الكثيرة واما أنها تؤدي إليه باتصال بعضها إلى بعض واتحادها فيها . وأيضا قال تعالى : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) يوسف - 106 . فبين ان من الشرك ( وهو ضلال ) ما يجتمع مع الايمان وهو سبيل ، ومنه يعلم أن السبيل يجامع الشرك ، لكن الصراط المستقيم لا يجامع الضلال كما قال : ولا الضالين . والتدبر في هذه الآيات يعطى ان كل واحد من هذه السبل يجامع شيئا من النقص أو الامتياز ، بخلاف الصراط المستقيم ، وان كلا منها هو الصراط المستقيم لكنه