السيد الطباطبائي
281
تفسير الميزان
قوله تعالى : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا ، العهد هو الامر والتطهير إما تخليص البيت لعبادة الطائفين ، والعاكفين ، والمصلين ، ونسكهم فيكون من الاستعارة بالكناية ، وأصل المعنى : أن خلصا بيتي لعبادة العباد ، وذلك تطهير وإما تنظيفه من الأقذار والكثافات الطارئة من عدم مبالات الناس ، والركع السجود جمعا راكع وساجد وكان المراد به المصلون . قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم رب اجعل ، هذا دعاء دعا به إبراهيم يسئل به الامن على أهل مكة والرزق وقد أجيبت دعوته ، وحاشا لله سبحانه أن ينقل في كلامه دعاء لا يستجيبه ولا يرده في كلامه الحق فيشتمل كلامه على هجاء لغو لغى به لاغ جاهل ، وقد قال تعالى : ( والحق أقول ) ص - 84 ، وقال تعالى : ( إنه لقول فصل وما هو بالهزل ) الطارق - 14 . وقد نقل القرآن العظيم عن هذا النبي الكريم دعوات كثيرة دعا بها ، وسئلها ربه كدعائه لنفسه في بادئ أمره ، ودعائه عند مهاجرته إلى سورية ودعائه ومسئلته بقاء الذكر الخير ، ودعائه لنفسه وذريته ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات ، ودعائه لأهل مكة بعد بناء البيت ، ودعائه ومسئلته بعثة النبي من ذريته ، ومن دعواته ومسائله التي تجسم آماله وتشخص مجاهداته ومساعيه في جنب الله وفضائل نفسه المقدسة ، وبالجملة تعرف موقعه وزلفاه من الله عز اسمه ، وسائر قصصه وما مدحه به ربه ، يستنبط شرح حياته الشريفة وسنتعرض للميسور من ذلك في سورة الأنعام . قوله تعالى : من آمن منهم ، لما سئل عليه السلام لبلد مكة الامن ، ثم سئل لأهله أن يرزقوا من الثمرات ، استشعر : أن الأهل سيكون منهم مؤمنون ، وكافرون ودعائه للأهل بالرزق يعم الكافر والمؤمن ، وقد تبرا من الكافرين وما يعبدونه ، قال تعالى ( فلما تبين أنه عدو لله تبرء منه ) التوبة - 114 ، فشهد تعالى له : بالبراءة والتبري عن كل عدو لله ، حتى أبيه ، ولذلك لما استشعر ما استشعره من عموم دعوته قيدها بقوله من آمن منهم - وهو يعلم أن رزقهم من الثمرات لا يتم من دون شركة الكافرين ، على ما يحكم به ناموس الحياة الدنيوية الاجتماعية - غير أنه خص مسئلته - والله أعلم - بما يحكم لسائر عباده ، ويريد في حقهم ، فأجيب ( ع ) بما يشمل المؤمن والكافر ، وفيه