السيد الطباطبائي

161

تفسير الميزان

ومغفرته وما أشبه ذلك من صفاته العليا لتشمل عبدا من عباده سائت حاله بالمعصية ، وشملته بلية العقوبة ، فيخرج عن كونه مصداقا للحكم الشامل ، والجرم العامل على ما عرفت أن تأثير الشفاعة بنحو الحكومة دون التضاد وهو القائل عز من قائل : ( أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) الفرقان - 70 ، فله تعالى أن يبدل عملا من عمل كما أن له أن يجعل الموجود من العمل معدوما ، قال تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) الفرقان - 23 ، وقال تعالى : ( فأحبط أعمالهم ) محمد - 10 ، وقال تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) النساء - 31 ، وقال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) النساء - 48 ، والآية في غير مورد الايمان والتوبة قطعا فإن الايمان والتوبة يغفر بهما الشرك أيضا كسائر الذنوب وله تكثير القليل من العمل ، قال تعالى : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين ) القصص - 65 ، وقال : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) الانعام - 160 ، وله سبحانه أن يجعل المعدوم من العمل موجودا ، قال تعالى : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ كل أمرء بما كسب رهين ) الطور - 21 ، وهذا هو اللحوق والالحاق وبالجملة فله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . نعم إنما يفعل لمصلحة مقتضية ، وعلة متوسطة ولتكن من جملتها شفاعة الشافعين من أنبيائه وأوليائه والمقربين من عباده من غير جزاف ولا ظلم . ومن هنا ظهر أن معنى الشفاعة بمعنى الشافعية ، صادق بحسب الحقيقة في حقه تعالى فإن كلا من صفاته متوسطة بينه وبين خلقه في إفاضة الجود وبذل الوجود فهو الشفيع في الحقيقة على الاطلاق . قال تعالى : ( قل لله الشفاعة جميعا ) الزمر - 44 ، وقال تعالى : ( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ) السجدة - 4 ، وقال تعالى : ( ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ) الانعام - 51 . وغيره تعالى لو كان شفيعا فإنما هو بإذنه وتمليكه . فقد ثبت بما مر صحة تحقق الشفاعة عنده تعالى في الجملة فيما لا يوجب محذورا لا يليق بساحة كبريائه تعالى .