السيد الطباطبائي

130

تفسير الميزان

ومن هنا تحدس إن كنت ذا فطانة أن الشجرة كانت شجرة في اقترابها تعب الحياة الدنيا وشقائها ، وهو أن يعيش الانسان في الدنيا ناسيا لربه ، غافلا عن مقامه ، وأن آدم عليه السلام كأنه أراد أن يجمع بينها وبين الميثاق المأخوذ عليه ، فلم يتمكن فنسي الميثاق ووقع في تعب الحياة الدنيا ، ثم تدورك له ذلك بالتوبة . قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا ) الرغد الهناء وطيب العيش وأرغد القوم مواشيهم تركوها ترعى كيف شاءت ، وقوم رغد ، ونساء رغد ، أي ذووا عيش رغيد . وقوله تعالى : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) وكأن النهي انما كان عن أكل الثمرة وانما تعلق بالقرب من الشجرة ايذانا بشدة النهى ومبالغة في التأكيد ويشهد بذلك قوله تعالى ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ) الأعراف - 22 . وقوله تعالى : ( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ) طه - 121 ، فكانت المخالفة بالاكل فهو المنهى عنه بقوله : ولا تقربا . قوله تعالى : فتكونا من الظالمين ، من الظلم لا من الظلمة على ما احتمله بعضهم وقد اعترفا بظلمهما حيث قالا على ما حكاه الله تعالى عنهما : ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا . إلا أنه تعالى بدل في سورة طه هذه الكلمة أعني قوله : ( فتكونا من الظالمين من قوله : ( فتشقى والشقاء هو التعب ثم فسر التعب وفصله ، فقال ، ( ان لك الا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى الآيات ) . ومن هنا يظهر أن وبال هذا الظلم انما كان هو الوقوع في تعب حياة هذه الدنيا من جوع وعطش وعراء وعناء وعلى هذا فالظلم منهما انما هو ظلمهما لأنفسهما ، لا بمعنى المعصية المصطلحة والظلم على الله سبحانه . ومن هنا يظهر أيضا أن هذا النهى أعني قوله : ولا تقربا ، إنما كان نهيا تنزيهيا إرشاديا يرشد به إلى ما فيه خير المكلف وصلاحه في مقام النصح لا نهيا مولويا . فهما انما ظلما أنفسهما في ترك الجنة على أن جزاء المخالفة للنهي المولوي التكليفي