السيد الطباطبائي
104
تفسير الميزان
قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ( كلما استغفرت الله منه فهو منك ، وكلما حمدت الله عليه فهو منه ) فلما وصلت كتبهم إلى الحجاج ووقف عليها قال : لقد أخذوها من عين صافية . وفي الطرائف أيضا روى أن رجلا سأل جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن القضاء والقدر فقال : ( ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه ، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله ) يقول الله للعبد : لم عصيت ، لم فسقت ، لم شربت الخمر ، لم زنيت ؟ فهذا فعل العبد ، ولا يقول له لم مرضت ، لم قصرت ، لم ابيضضت ، لم اسوددت ؟ لأنه من فعل الله تعالى . وفي النهج سئل عليه السلام عن التوحيد والعدل فقال : ( التوحيد أن لا تتوهمه ، والعدل أن لا تتهمه ) . أقول : والاخبار فيما مر متكاثرة جدا غير أن الذي نقلناه حاو لمعاني ما تركناه ولئن تدبرت فيما تقدم من الاخبار وجدتها مشتملة على طرق خاصة عديدة من الاستدلال . منها : الاستدلال بنفس الأمر والنهي والعقاب والثواب وأمثالها على تحقق الاختيار من غير جبر ولا تفويض ، كما في الخبر المنقول عن أمير المؤمنين علي عليه السلام فيما أجاب به الشيخ ، وهو قريب المأخذ مما استفدناه من كلامه تعالى . ومنها : الاستدلال بوقوع أمور في القرآن لا تصدق لو صدق جبر أو تفويض ، كقوله تعالى : ( لله ملك السماوات والأرض وقوله : ( وما ربك بظلام للعبيد ) ، وقوله تعالى : ( قل ان الله لا يأمر بالفحشاء الآية ، ويمكن أن يناقش فيه بأن الفعل إنما هو فاحشة أو ظلم بالنسبة إلينا وأما إذا نسب إليه تعالى فلا يسمى فاحشة ولا ظلما فلا يقع منه تعالى فاحشة ولا ظلم ، ولكن صدر الآية بمدلولها الخاص يدفعها فإنه تعالى يقول : ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليه آبائنا والله أمرنا بهذا قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) الآية ، فالإشارة بقوله بهذا يوجب أن يكون النفي اللاحق متوجها إليه سواء سمي فحشاء أو لم يسم .