الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
92
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
قصة آدم وحواء ، وعداء ومحاربة إبليس لهما . وربما كانت إشارة إلى أن الصراع بين الحق والباطل لا ينحصر بأمس واليوم ، وموسى ( عليه السلام ) وفرعون ، بل كان منذ بداية خلق آدم وسيستمر كذلك . وبالرغم من أن قصة آدم وإبليس قد وردت مرارا في القرآن ، إلا أنها تمتزج في كل مورد بملاحظات ومسائل جديدة ، وهنا تتحدث أولا عن عهد الله إلى آدم فتقول : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما . هناك عدة آراء في ماهية العهد المذكور ، فقال البعض : إنه أمر الله بعدم الإقتراب من الشجرة الممنوعة ، وهناك روايات متعددة تؤيد هذا المعنى . في حين أن بعض المفسرين احتملوا احتمالات أخرى يمكن اعتبارها بمثابة الأغصان والأوراق لهذا المعنى ، كإخطار الله لآدم بأن الشيطان عدو مبين له ، ويجب أن لا يتبعه . وأما " النسيان " هنا فمن المسلم أنه ليس بالمعنى المطلق ، لأنه لا معنى للعتاب والملامة في النسيان المطلق ، بل إنه إما بمعنى الترك كما نستعمل ذلك في مكالماتنا اليومية ، فقد نقول لمن لم يف بعهده : أنسيت عهدك ؟ أي إنك كالناسي . أو أنه بمعنى النسيان الذي يطرأ نتيجة قلة الانتباه وشرود الذهن . والمراد من " العزم " هنا هو التصميم والإرادة القوية الصلبة التي تحفظ الإنسان من الوقوع تحت تأثير وساوس الشيطان القوية . وعلى كل حال ، فلا شك أن آدم لم يرتكب معصية ، بل بدر منه ترك الأولى ، أو بتعبير آخر ، فإن مرحلة وجود آدم في الجنة لم تكن مرحلة تكليف ، بل كانت مرحلة تجريبية للاستعداد للحياة في هذه الدنيا وتقبل المسؤولية ، خاصة وإن نهي الله هنا كان نهيا إرشاديا ، لأنه قد أخبره بأنه إن أكل من الشجرة الممنوعة فسيبتلى بالشقاء . وقد أوردنا تفصيل كل ذلك ، وكذلك المراد من الشجرة الممنوعة وأمثال ذلك في ذيل الآيات 19 - 22 من سورة الأعراف .