الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
6
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ومن أجل رفع معنوياتهما ، والتأكيد على بذل أقصى ما يمكن من المساعي والجهود ، فقد أضاف سبحانه قائلا : ولا تنيا في ذكري وتنفيذ أوامري ، لأن الضعف واللين وترك الحزم سيذهب بكل جهودكما أدراج الرياح ، فأثبتا ولا تخافا من أي حادثة ، ولا تهنا أمام أي قدرة . بعد ذلك ، يبين الهدف الأصل لهذه الحركة ، والنقطة التي يجب أن تكون هدفا لتشخيص المسار ، فيقول : اذهبا إلى فرعون إنه طغى فإنه سبب كل الشقاء والتعاسة في هذه المنطقة الواسعة ، وما لم يتم إصلاحه فسوف لا ينجح أي عمل ، لأن عامل تقدم الأمة أو تخلفها ، سعادتها أو شقائها وبؤسها هو قادتها وحكامها ، ولذلك يجب أن يكونوا هدفكما قبل الجميع . صحيح أن هارون لم يكن في ذلك الحين حاضرا في تلك الصحراء ، ولكن الله أطلعه على هذه الحوادث كما ذكر المفسرون ، وقد خرج من مصر لاستقبال أخيه موسى لأداء هذه المهمة ، إلا أنه لا مانع مطلقا من أن يخاطبا معا ، وتوجه إليهما مأمورية تبليغ الرسالة ، في الوقت الذي لم يحضر غير أحدهما . ثم بينت الآية طريقة التعامل المؤثرة مع فرعون ، فمن أجل أن تنفذا إليه وتؤثرا فيه فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى والفرق بين " يتذكر " و " يخشى " هنا هو أنكما إذا واجهتماه بكلام لطيف ، رقيق ، ملائم ، وتبينان في الوقت ذاته المطالب بصراحة وحزم ، فيحصل أحد الاحتمالين : أن يقبل من صميم قلبه أدلتكما المنطقية ويؤمن ، والاحتمال الآخر هو أن يخاف على الأقل من العقاب الإلهي في الدنيا أو الآخرة ، ومن زوال ملكه وقدرته ، فيذعن ويسلم ولا يخالفكما . ويوجد احتمال ثالث أيضا ، وهو أنه لا يتذكر ولا يخشى ، بل سيستمر في طريق المخالفة والمجابهة ، وقد أشير إلى ذلك بكلمة " لعل " وفي هذه الصورة فإن الحجة قد تمت عليه ، وعلى كل حال فإن القيام بهذا العمل لا يخلو من فائدة .