الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

59

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

3 2 - الحركات المناوئة لنهضة الأنبياء ! من الطبيعي أن توجد في مقابل كل ثورة حركة مضادة تسعى إلى تحطيم نتائج الثورة ، وإلى إرجاع المجتمع إلى مرحلة ما قبل الثورة ، وليس سبب ذلك معقدا ولا غامضا ، لأن انتصار ثورة ما لا يعني فناء كل العناصر الفاسدة من الفترة السابقة دفعة واحدة ، بل تبقى حثالات منهم تبدأ نشاطها من أجل الحفاظ على وجودها وكيانها ، ومع اختلاف ظروف ومقدار وكيفية هؤلاء ، فإنهم يقومون بأعمال تناهض الثورة سرا أم علانية . وفي حركة موسى بن عمران الثورية نحو توحيد واستقلال وحرية بني إسرائيل ، كان السامري زعيم هذه الحركة الرجعية المضادة ، فقد كان عالما - كبقية قادة الحركات الرجعية - بنقاط ضعف قومه جيدا ، وكان يعلم أنه قادر على أن يستغل هذه النقاط فيثير الفتنة فيهم ، فسعى أن يصنع من أدوات الزينة والذهب التي هي آلهة عبيد الدنيا ، وتجلب اهتمام عوام الناس ، عجلا على هيئة خاصة ، وجعله في مسير حركة الريح - أو بالاستعانة بأية وسيلة أخرى - ليخرج منه صوت . وذلك بانتهاز فرصة مناسبة - وهي غيبة موسى لعدة أيام - ونظرا إلى أن بني إسرائيل بعد النجاة من الغرق ، ومرورهم على قوم يعبدون الأصنام ، طلبوا من موسى صنما ، والخلاصة أنه استغل كل نقاط الضعف النفسي ، والفرص المكانية والزمانية المناسبة ، وبدأ خطته المضادة للتوحيد . وقد نظم هذه المواد بمهارة فائقة بحيث حرف في مدة قصيرة أغلبية الجهلة من بني إسرائيل عن خط التوحيد إلى طريق الشرك . وبالرغم من أن هذه الخطة قد أحبطت بمجرد رجوع موسى وقوة إيمانه ومنطقه بنور الوحي ، ولكن إذا لم يرجع موسى فماذا كان سيحدث ؟ إنهم إما كانوا سيقتلون أخاه هارون حتما ، أو سيحجمونه بحيث لا يصل صوته إلى أحد . أجل . . إن كل ثورة تحارب في البداية بهذه الصورة ، فيجب الحذر دائما ،