الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
487
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولكن : ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون . والله تعالى يبتليهم لعلهم يعون حين لا تجدي بهم رحمته سبحانه ، لكن طائفة غالبة منهم لم يستيقظوا حتى بالبلاء المذل ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ( 1 ) . " التضرع " - كما أسلفنا - مشتقة من الضرع بمعنى الثدي ، فالتضرع يعني الحلب ، ثم استعملت بمعنى التسليم المخالط بالتواضع والخضوع . وتعني هذه الآية أن المشركين لم يتخلوا عن غرورهم وعنادهم وتكبرهم ، ولم يستسلموا للحق حتى وهم يواجهون أشد النكبات عصفا بهم . وإذا ما فسر التضرع في الروايات بأنه رفع اليدين نحو السماء للدعاء ، فهو أحد مصاديق هذا المعنى الواسع . فالله تعالى يواصل هذه الرحمة والنعمة والعقوبات ، والمشركون يواصلون طغيانهم وعنادهم حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون ( 2 ) . الواقع ، أن نوعين من العقاب الإلهي : أولهما " عقاب الابتلاء " ، وثانيهما " عقاب الإستيصال " والاقتلاع من الجذور ، والهدف من العقاب الأول وضع الناس في صعوبات وآلام ليدركوا مدى ضعفهم وليتركوا مركب الغرور . أما هدف العقاب الثاني الذي ينزل بالمعاندين المستكبرين فهو إزالتهم عن
--> 1 - " استكانوا " مشتقة من السكون ، بمعنى الصمت في حالة الخضوع والخشوع ، وبهذه الصورة ستكون من باب " افتعال " التي كانت في الأصل استكنوا . أشبعت فتحة الكاف وبدلت إلى ألف . فأصبحت استكانوا . وقال البعض : إنها مشتقة من كون ، ومن باب " إستفعال " أي طلب الإقامة في مكان بخضوع وخشوع . وعلى كل حال فإنها تبين حالة العبد الخاضع لربه ، وقد اعتبرها البعض بمعنى الدعاء بسبب كونه أحد مصاديق الخضوع والتواضع . أما الاحتمال الثالث ، فهي مشتقة عن " الكين " على وزن " عين " ومن باب الاستفعال ، لأنها تعني الخضوع أيضا . وجميع هذه المعاني متقاربة . 2 - " المبلس " كلمة مشتقة من " الإبلاس " . بمعنى الألم الشديد الناتج عن شدة أثر الحادثة . وتدفع بالإنسان إلى الصمت والحيرة واليأس .