الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
484
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ونقرأ أيضا في نهج البلاغة : " والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة " ( 1 ) . وعلى هذا قد يتراءى للبعض تناقض بين هاتين المجموعتين من الآيات والأحاديث . ومن جهة أخرى يمكن أن يتصور مخالفة الإسلام للديمقراطية التي تعتمد على آراء أكثر الناس ، وهذا ما رفضه القرآن بشدة . ولكن بالتدقيق في الآيات والأحاديث السابقة ومقارنة بعضها ببعض يتضح المفهوم الحقيقي ، وهو أن الأكثرية لو كانت من المؤمنين الواعين الذين ينتهجون الحق ويرفضون الباطل ، لاستحقوا الاحترام ، وحظي رأيهم بالتقدير والقبول . أما إذا كانوا فئة جاهلة أو واعية لكنها مستسلمة لرغباتها وشهواتها على علم منها ، فلا طاعة لها ولا رأي . لأن اتباعها يؤدي إلى الضلالة والضياع ، كما يقول القرآن المجيد . وعلى هذا الأساس فلو أردنا تحقيق " ديمقراطية سليمة " لوجب السعي أولا لتوعية الناس وتكوين جماعة مؤمنة واعية ، ثم الاستناد على رأي أكثريتهم كمعيار لسلامة الأهداف الاجتماعية ، وإلا فإن ديمقراطية الأكثرية الضالة لا تنتج سوى ضلال المجتمع وجره إلى جهنم . ومن الضروري التنبيه إلى اننا نعتقد أن رأي الأكثرية الواعية المؤمنة إنما يكون محترما ومقبولا فيما إذا لم يخالف الكتاب والسنة والأحكام الإلهية . ولجوء الأمم والشعوب في هذا العصر إلى رأي الأكثرية مبعثه انعدام المعيار الموثوق به في قياس ما ينفع المصلحة العامة وما يضرها ، فهذه المجتمعات لا تستنير بكتاب رباني ولا تلتزم رسالة نبي كريم ، وليس لديها سوى الرجوع إلى
--> 1 - نهج البلاغة ، الخطبة 151 .