الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

467

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والفئات يمنع وصولها إلى الحقيقة ! لأن كلا منها قد اتخذ سبيلا خاصا به ، وأصبح في قوقعة لا تسمح لنور جديد بالدخول إلى قلبه ، ولا بنسيم معنوي يهب على روحه ليكشف لها حقيقة من الحقائق . وهذه الحالة نتجت عن حب الذات المفرط والعناد ، وهما أكبر عدو للحقيقة ، ولوحدة الأمة . إن الاعتزاز بالنمط الذي تعيشه كل فئة واحتقار سواه يجعل الإنسان يصم اذنيه عن كل صوت يخالف ما اعتقده . ويغطي رأسه بثوبه ، أو يلجأ إلى الفرار خوفا من تجلي حقيقة على خلاف ما اعتاد عليه كما يذكر القرآن المجيد عن حال المشركون زمن نوح ( عليه السلام ) وعلى لسان هذا النبي المرسل : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ( 1 ) . ولا يمكن للإنسان النجاة بنفسه والوصول إلى الحق إلا بالتخلص من هذه الحالة وإنهاء عناده . ولهذا تقول الآية الأخيرة هنا : فذرهم في غمرتهم حتى حين أي اتركهم على حالهم حتى يأتي أجلهم ، أو يأتيهم الله بعذاب منه ، فليس لهم سوى هذا ، لأنهم أصروا على البقاء في جهلهم ومتاهتهم . وكلمة " حين " قد تكون إشارة إلى وقت الموت ، أو نزول العذاب ، أو كليهما . وأما " الغمرة " على وزن " ضربة " فهي بالأصل من " غمر " أي إتلاف كل شئ . ثم أطلق غمر وغامر على الماء الكثير الذي يزيل كل شئ يواجهه ويواصل جريانه ، ثم أطلق على الجهل والبلايا التي يغرق فيها الإنسان . كما استعملته الآية السابقة بمعنى الغفلة والضياع والجهل والضلال . * * *

--> 1 - سورة نوح ، 7 .