الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

44

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بجنوده ( 1 ) . مما لا ريب أن جيش فرعون كان مكرها في البداية على أن يسير في هذا المكان الخطير المجهول ، ويتعقب بني إسرائيل ، وكانت مشاهدة مثل هذه المعجزة العجيبة كافية على الأقل أن يمتنعوا عن الاستمرار في السير في هذا الطريق ، إلا أن فرعون الذي ركب الغرور والعصبية رأسه ، وغرق في بحر العناد والحماقة ، لم يهتم لهذه المعجزة الكبيرة ، وأمر جيشه في المسير في هذه الطرق البحرية المريبة حتى دخل من هذه الجهة آخر جندي فرعوني ، في وقت خرج من الجانب الآخر آخر فرد من بني إسرائيل . في هذه الأثناء صدر الأمر لأمواج المياه أن ترجع إلى حالتها الأولى ، فوقعت عليهم الأمواج كما تسقط البناية الشامخة إذا هدمت قواعدها فغشيهم من اليم ما غشيهم ( 2 ) . وبذلك فقد غاص ملك جبار ظالم مع جنوده وجيشه القهار في وسط أمواج الماء ، وأصبحوا طعمة جاهزة لسمك البحر ! أجل ، فأضل فرعون قومه وما هدى . صحيح أن جملة ( أضل ) وجملة ( ما هدى ) تعطي معنى واحدا تقريبا ، وربما كان هذا هو السبب في أن يعتبرها بعض المفسرين تأكيدا ، إلا أن الظاهر أن هناك تفاوتا فيما بينهما ، وهو أن ( أضل ) إشارة إلى الإضلال ، و ( ما هدى ) إشارة إلى عدم الهداية بعد وضوح الضلالة . وتوضيح ذلك : إن القائد قد يخطئ أحيانا ، ويجر أتباعه إلى طريق منحرف ، إلا أنه بمجرد أن ينتبه إلى خطئه يعيدهم إلى طريق الصواب . إلا أن فرعون كان

--> 1 - وهناك احتمال آخر في تفسير الجملة آنفة الذكر ، وهو أن الباء في ( بجنوده ) قد تكون بمعنى ( مع ) ، ويصبح مجموع الجملة بهذا المعنى : إن فرعون قد عقب بني إسرائيل مع جنوده ، مع أنه لا يوجد اختلاف بين هذين التفسيرين . 2 - " اليم " يعني البحر والنهر العظيم . ويعتقد بعض المحققين أن هذه لغة مصرية قديمة وليست عربية . ولمزيد الإيضاح راجع هامش ذيل الآية ( 136 ) من سورة الأعراف .