الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
429
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تقول الآيات أولا : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( 1 ) . أجل ، إن هذه الخطوة الأولى التي خلق الله فيها الإنسان بكل عظمته واستعداده وجدارته والذي يعتبر أفضل مخلوقاته من تراب مهين لا قدر ولا قيمة له ، وهكذا تجلت قدرته سبحانه وتعالى في هذا الخلق البديع . وتضيف الآية التالية ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . وفي الواقع فان الآية الأولى تشير إلى بداية وجود جمع البشر من آدم وأبنائه وأنهم خلقوا جميعا من التراب ، إلا أن الآية التالية تشير إلى تداوم واستمرارية نسل الإنسان بواسطة تركيب نطفة الذكر ببويضة الأنثى في الرحم . وهذا البحث يشبه ما جاء في الآيتين السابعة والثامنة من سورة السجدة وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين . والتعبير عن الرحم ب " قرار مكين " ، أي القرار الآمن ، إشارة إلى أهمية الرحم في الجسم ، حيث يقع في مكان أمين محفوظ من جميع الجهات ، يحفظه العمود الفقري من جهة ، وعظم الحوض القوي من جهة أخرى ، وأغشية البطن العديدة من جهة ثالثة ، ودفاع اليدين يشكل حرزا رابعا له . وكل ذلك شواهد على موضع الرحم الآمن . ثم تشير الآية الثالثة إلى المراحل المدهشة والمثيرة لتدرج النطفة في مراحلها المختلفة ، واتخاذها شكلا معينا في كل منها في ذلك القرار المكين ، حيث تقول : إننا جعلنا من تلك النطفة على شكل قطعة دم متخثر ( علقة ) ثم بدلناها على شكل قطعة لحم ممضوغ ( مضغة ) ، ثم جعلنا من هذه المضغة عظاما ، وأخيرا ألبسنا هذه العظام لحما : ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما .
--> 1 - " السلالة " على وزن " عصارة " تعني الشئ الذي يستخلص من شئ آخر ، وهي في الحقيقة خلاصة ونتيجة منه ( مجمع البيان حول الآية موضع البحث ) .