الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
409
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
و " الشهيد " هو الشاهد ، وهي كلمة مشتقة من شهود ، بمعنى اطلاع المرء على أمر أو حدث شهده بنفسه . وكون الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شاهدا على جميع المسلمين يعني اطلاعه على أعمال أمته ، وينسجم هذا المفهوم مع حديث ( عرض الأعمال ) وبعض الآيات القرآنية التي أشارت إلى ذلك ، حيث تعرض أعمال أمة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليه في نهاية كل أسبوع فتطلع روحه الطاهرة عليها جميعا ، فهو شاهد على أمته . وذكرت بعض الأحاديث أن معصومي هذه الأمة الأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) هم أيضا شهود على أعمال الناس ، نقرأ في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) قوله : " نحن حجج الله في خلقه ونحن شهداء الله وأعلامه في بريته " ( 1 ) . في الحقيقة إن المخاطب في عبارة " لتكونوا " وحسب ظاهر الكلمة هو الأمة جميعا ، وقد يكون المراد قادة هذه الأمة ، فمخاطبة الكل وإرادة الجزء أمر متعارف في المحادثة اليومية . ومثال ذلك ما جاء في الآية ( 20 ) من سورة المائدة وجعلكم ملوكا . حيث نعلم أن عددا قليلا منهم أصبحوا ملوكا . وهناك معنى آخر لكلمة شهود ، هي " الشهادة العملية " أي كون أعمال الفرد أنموذجا للآخرين وقدوة لهم ، وهكذا يكون جميع المسلمين الحقيقيين شهودا ، لأنهم أمة تقتدي بهم الأمم بما لديهم من دين يمكنهم أن يكونوا مقياسا للسمو والفضل بين جميع الأمم . وجاء في حديث عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إذا بعث الله نبيا جعله شهيدا على قومه ، وإن الله تبارك وتعالى جعل أمتي شهداء على الخلق ، حيث يقول : ليكون الرسول شهيدا عليكم ، وتكونوا شهداء على الناس " ( 2 ) . أي كما يكون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قدوة وأسوة حسنة لامته ، تكونون أنتم أيضا أسوة
--> 1 - كتاب " إكمال الدين " للشيخ الصدوق حسبما نقل عنه تفسير نور الثقلين ، المجلد الثالث ، صفحة 526 . كما أكدت ذلك أحاديث أخرى في هذا المجال . 2 - تفسير البرهان ، المجلد الثالث ، صفحة 105 .