الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

399

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

رجليه ورفع يديه ، ثم استعملت بالمعنى الذي ذكرناه . ولو فكر الإنسان منطقيا لما أغضبه حديث لا يرضاه ، ولما ثار مقطبا متهيئا للهجوم على محدثه مهما خالفه . بل يحاول رده ببيان منطقي . وإنفعال المشركين على النحو المتقدم دليل على انهيار تفكيرهم وغلبة الجهل والباطل عليهم . وعبارة يكادون يسطون التي تتألف من فعلين مضارعين ، دليل على استمرار حالة الهجوم والسباب في ذات المشركين وتأصلها فيهم ، فتارة يفعلونه ، وأخرى تبدو علائمه على وجوههم حين لا تسمح به الأحوال . وقد أمر القرآن المجيد الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يجبه هؤلاء المتغطرسين هاتفا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار ( 1 ) . أي إن زعمتم أن هذه الآيات البينات شر ، لأنها لا تنسجم مع أفكاركم المنحرفة ، فإنني أخبركم بما هو شر منها ، ألا وهو عقاب الله الأليم ، النار التي أعدها الله جزاء وعدها الله الذين كفروا ، وبئس المصير . أجل ، إن النار المحرقة لأسوأ مكان للمتشددين الحادي المزاج الذين أحرقت نار عصبيتهم ولجاجهم قلوبهم ، لأن العقاب الإلهي يتناسب دائما مع كيفية الذنب والعصيان . وترسم الآية الآتية صورة معبرة لما كان عليه الوثنيون ، وما يعبدونه من أشياء ضعيفة هزيلة تكشف عن بطلان آراء المشركين وعقيدتهم ، مخاطبة للناس جميعا خطابا هاديا أن يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له وتدبروا فيه جيدا إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له . أجل ، لو اجتمعت الأوثان كلها ، وحتى العلماء والمفكرين والمخترعين

--> 1 - إن " النار " هنا خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هي النار ، واحتمل البعض أن النار مبتدأ وجملة " وعدها الله " خبر لها ، إلا أن القول الأول هو الأصوب . وفعل " وعد " أخذ هنا مفعولين ، الأول " الذين كفروا " الذي تأخر والثاني " الهاء " التي تقدمت ذلك للتخصيص .