الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

390

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المطر عليها . فأصبحت تسر الناظرين . أجل إن الله لطيف خبير . وكلمة " لطيف " مشتقة من " اللطف " بمعنى العمل الجميل الذي يمتاز برقته . ولهذا يطلق على الرحمة الإلهية الخاصة لفظ " اللطف " . وكلمة " الخبير " تعني المطلع على الأمور الدقيقة . وبلطف الله تنمو البذرة تحت الأرض ، ثم ترتفع خلافا لقانون جاذبية الأرض ، وترى الشمس وتشم نسيم الهواء حتى تصبح نباتا مثمرا أو شجرة باسقة . وهو الذي أنزل المطر فمنح التربة الجافة لطفا ورقة لتسمح للبذرة بالحركة والنمو . وهو خبير بجميع الاحتياجات والمراحل التي تمر بها هذه البذرة حتى ترتفع نحو السماء . يرسل الله المطر بقدرة وبخبرة منه ، فإن زاده صار سيلا ، وإن نقصه كثيرا ساد الجفاف في الأرض ، وتقول الآية الثامنة عشرة من سورة المؤمنين : وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ( 1 ) . الآية التالية تعرض علامة أخرى على قدرة الله غير المتناهية ، وهو قوله سبحانه وتعالى : له ما في السماوات وما في الأرض . فهو سبحانه خالق الجميع ومالكهم ، وبهذا الدليل يكون قادرا عليهم ، لذا فهم يحتاجون إليه جميعا ، ولا يحتاج هو إلى شئ أو إلى أحد . ويزداد هذا المعنى إشراقا في قوله سبحانه : وإن الله لهو الغني الحميد والتحام صفتي الغني والحمد جاء في غاية الإحكام : أولا : لأن عددا كبيرا من الناس أغنياء ، إلا أنهم بخلاء يستغلون الآخرين ويعملون لذاتهم فقط ، وقد غرقوا في الغفلة والغرور . وتغلب على أصحاب الثروة الطائلة هذه الصفات . أما غنى الله سبحانه فهو مزيج من اللطف والسماح والجود والكرم ، لذا استحق الحمد والثناء من عباده .

--> 1 - بحثنا في تفسير الآية ( 103 ) من سورة الأنعام حول لطف الله . فعلى الراغب مراجعته .