الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

348

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته : " النسك " يعني العبادة ، والناسك هو العابد ، ومناسك الحج تعني المواقف التي تؤدى فيها هذه العبادة ، أو إنها عبارة عن الأعمال نفسها . إلا أن العلامة الطبرسي يقول في " مجمع البيان " وأبو الفتوح الرازي في " روح الجنان " : " المنسك " ( على وزن منصب ) يمكن أن يعني - على وجه التخصيص - الأضحية ، بين عبادات الحج الأخرى ( 1 ) . ولهذا خص المنسك - رغم مفهومه العام وشموله أنواع العبادات في مراسم الحج - هنا بتقديم الأضحية بدلالة ليذكروا اسم الله . وعلى كل حال فإن مسألة الأضحية كانت دوما مثار سؤال ، لإمتزاج التعبد بها بخرافات المشركين الذين يتقربون بها إلى أوثانهم على نهج خاص بهم . ذبح حيوان باسم الله ولكسب رضاه يبين استعداد الإنسان للتضحية بنفسه في سبيل الله ، والاستفادة من لحم الأضحية وتوزيعه على الفقراء أمر منطقي . ولذا يذكر القرآن في نهاية هذه الآية فإلهكم إله واحد وبما أنه إله واحد فله أسلموا وبشر الذين يتواضعون لأحكامه الربانية وبشر المخبتين ( 2 ) . ثم يوضح القرآن المجيد في الآية التالية صفات المخبتين ( المتواضعين ) وهي أربع : اثنتان منها ذات طابع معنوي ، واثنتان ذات طابع جسماني . يقول في الأول : الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم لا يخافون في غضبه دون سبب ولا يشكون في رحمته ، بل إن خوفهم ناتج عن عظمة المسؤوليات التي بذمتهم ، واحتمال تقصيرهم في أدائها ، وليقينهم بجلال الله سبحانه يقفون بين

--> 1 - ولهذا السبب يقال : نسكت الشاة ، أي ذبحتها . 2 - " المخبتين " مشتقة من " الإخبات " وأصلها " خبت " وهي الأرض المستوية الواسعة التي يمشي الإنسان فيها بكل سهولة . كما جاءت بمعنى الاطمئنان والخضوع ، لأن السير في هذه الأرض يلازمه الاطمئنان ، ولهذا تكون خاضعة مستسلمة للسائرين عليها .