الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

342

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بتعبير آخر : هو الذي سار على الصراط المستقيم ، لأن " حنف " على وزن " صدف " تعني الرغبة ، ومن رغب عن كل انحراف فقد سار على الصراط المستقيم . وعلى هذا فإن الآية السابقة اعتبرت الإخلاص وقصد القربة إلى الله محركا أساسيا في الحج والعبادات الأخرى ، حيث ذكرت ذلك بشكل عام ، فالإخلاص أصل العبادة . والمراد به الإخلاص الذي لا يخالطه أي نوع من الشرك وعبادة غير الله . جاء في حديث عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) أجاب فيه مبينا معنى كلمة حنيف : " هي الفطرة التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، قال : فطرهم الله على المعرفة " ( 1 ) . إن التفسير الذي تضمنه هذا الحديث ، هو في الواقع إشارة إلى أساس الإخلاص ، أي : الفطرة التوحيدية التي تكون مصدرا لقصد القربة إلى الله ، وتحريكا ذاتيا من الله . ثم ترسم الآية - موضع البحث - صورة حية ناطقة عن حال المشركين وسقوطهم وسوء طالعهم ، حيث تقول : ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح من مكان سحيق ( 2 ) . " السماء " هنا كناية عن التوحيد ، و " الشرك " هو السبب في السقوط من السماء هذه . ومن الطبيعي أن تكون في هذه السماء نجوما زاهرة وشمسا ساطعة وقمرا منيرا فطوبى لمن يكون شمسا أو قمرا أو في الأقل نجما متلألئا ، ولكن الإنسان عندما يسقط من هذا المكان العالي يبتلى بأحد أمرين : فإما يصبح طعما للطيور الجوارح أثناء سقوطه وقبل وصوله إلى الأرض ، وبعبارة أخرى : يبتلى بفقدانه هذا

--> 1 - توحيد الصدوق ، حسبما نقله تفسير الصافي . 2 - " تخطفه " مشتقة من " الخطف " على وزن فعل ، بمعنى الإمساك بالشئ أثناء تحركه بسرعة و " سحيق " تعني " البعيد " وتطلق على النخلة العالية كلمة " سحوق " .