الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

296

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وعبارة " على حرف " ربما تكون إشارة إلى أن إيمانهم باللسان فقط ، وأن قلوبهم لم تر بصيصا من نوره إلا قليلا ، وقد تكون إشارة إلى أن هذه المجموعة تحيا على هامش الإيمان والإسلام وليس في عمقه ، فأحد معاني " الحرف " هو حافة الجبل والأشياء الأخرى . والذي يقف على الحافة لا يمكنه أن يستقر . فهو قلق في موقفه هذا ، يمكن أن يقع بهزة خفيفة ، وهكذا ضعاف الإيمان الذين يفقدون إيمانهم بأدنى سبب . ثم تناول القرآن الكريم عدم ثبات الإيمان لدى هؤلاء الأشخاص فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ( 1 ) إنهم يطمئنون إذا ضحكت لهم الدنيا وغمرتهم بخيراتها ! ويعتبرون ذلك دليلا على أحقية الإسلام . إلا أنهم يتغيرون ويتجهون إلى الكفر إن امتحنوا بالمشاكل والقلق والفقر ، فالدين والإيمان لديهم وسيلة للحصول على ما يبتغون في هذه الدنيا ، فإن تم ما يبغونه كان الدين حقا ، وإلا فلا . وذكر " ابن عباس " ومفسرون قدماء سبب نزول هذه الآية : " أنها نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالمدينة مهاجرين من باديتهم ، فكان أحدهم إذا صح بها جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا . وولدت امرأته غلاما وكثر ماله وماشيته ، رضي به واطمأن إليه ، وإن أصابه وجع وولدت امرأته أنثى أو أجهضت فرسه أو ذهب ماله أو تأخرت عنه الصدقة ، أتاه الشيطان وقال له : ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين . فينقلب عن دينه " ( 2 ) . ومما يلفت النظر أن القرآن الكريم يعبر عن إقبال الدنيا على هؤلاء الأشخاص بالخير . وعن إدبارها بالفتنة ( وسيلة الامتحان ) ولم يطلق عليها كلمة

--> 1 - كلمة " انقلب " في جملة " انقلب على وجهه " تعني التراجع . ويمكن أن تكون إشارة إلى ترك الإيمان تماما ، حتى إنه لا يعود إليه . فهو غريب عن الإيمان دوما . 2 - تفسير الفخر الرازي ، المجلد الثالث والعشرون ، ص 13 ، وتفسير القرطبي ، المجلد السادس ، ص 4409 .