الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
29
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
على كل حال ، فقد نزل النصر والمدد الإلهي على موسى في تلك الحال ، وبين له الوحي الإلهي أن النصر حليفه كما يقول القرآن : قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى . إن هذه الجملة وبتعبيرها المؤكد قد أثلجت قلب موسى بنصره المحتم - فإن ( إن ) وتكرار الضمير ، كل منهما تأكيد مستقل على هذا المعنى ، وكذلك كون الجملة اسمية - وبهذه الكيفية ، فقد أرجعت لموسى اطمئنانه الذي تزلزل للحظات قصيرة . وخاطبه الله مرة أخرى بقوله تعالى : وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى . " تلقف " من مادة " لقف " بمعنى البلع ، إلا أن الراغب يقول في مفرداته : إن معناها في الأصل تناول الشئ بحذق ، سواء في ذلك تناوله باليد أو الفم . وفسرها بعض اللغويين بأنها التناول بسرعة . ومما يلفت النظر أنه لم يقل ( الق عصاك ) بل يقول ( الق ما في يمينك ) وربما كان هذا التعبير إشارة إلى عدم الاهتمام بالعصا ، وإشارة إلى أن العصا ليست مسألة مهمة ، بل المهم إرادة الله وأمره ، فإنه إذا أراد الله شيئا ، فليست العصا فقط ، بل أقل وأصغر منها قادر على إظهار مثل هذه المقدرة ! وهنا نقطة تستحق الذكر أيضا وهي : إن كلمة ( ساحر ) في الآية وردت أولا نكرة ، وبعدها معرفة بألف ولام الجنس ، وربما كان هذا الاختلاف لأن الهدف في المرتبة الأولى هو عدم الاهتمام بعمل هؤلاء السحرة ، ومعنى الجملة : إن العمل الذي قام به هؤلاء ليس إلا مكر ساحر . أما في المورد الثاني فقد أرادت التأكيد على أصل عام ، وهو أنه ليس هؤلاء السحرة فقط ، بل كل ساحر في كل زمان ومكان وأينما وجد سوف لا ينتصر ولا يفلح . * * *