الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

246

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يرجعوا إلى الدنيا ليصلحوا أخطاءهم ويعملون الصالحات ، إلا أن القرآن يقول بصراحة : إن رجوع هؤلاء حرام تماما ، ولم يبق طريق لجبران ما صدر منهم . وهذا يشبه ما جاء في الآية ( 99 ) من سورة المؤمنون : حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا . . . وقد ذكرت في تفسير هذه الآية توضيحات أخرى نشير إلى بعضها في الهامش ( 1 ) . وعلى كل حال فإن هؤلاء المغفلين في غرور وغفلة على الدوام ، وتستمر هذه التعاسة حتى نهاية العالم ، كما يقول القرآن : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون . لقد بحثنا بصورة مفصلة حول " يأجوج ومأجوج " ، وإنهما من أية طائفة كانا ؟ وأين كانا يعيشان ؟ وأخيرا ماذا يعملان ، وماذا سيكونان ؟ في ذيل الآية ( 94 ) وما بعدها من سورة الكهف ، كما تكلمنا على " السد " الذي بناه " ذو القرنين " في مضيق جبلي ليمنع نفوذهما أيضا . . هل المراد من فتح هاتين الطائفتين تحطيم السد ، ونفوذهما عن هذا الطريق إلى مناطق العالم الأخرى ؟ أم المراد نفوذهما في الكرة الأرضية من كل حدب وصوب ؟ لم تتحدث الآية عن ذلك بصراحة ، بل ذكرت انتشارهم وتفرقهم في الكرة الأرضية كعلامة لنهاية العالم ومقدمة للبعث والقيامة ، فتقول مباشرة : واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا . لأن الرعب يسيطر

--> 1 - اعتبر البعض " الحرام " هنا بمعنى الواجب ، وقالوا : إن هذه الكلمة قد تأتي أحيانا بهذا المعنى ، فتكون ( لا ) زائدة ، ويصبح معنى الآية : إن رجوع هؤلاء في الآخرة واجب . وقال البعض الآخر : إن الحرام هنا يعني الحرام نفسه ، إلا أن ( لا ) زائدة ، فيكون المعنى : إن رجوع هؤلاء إلى الدنيا حرام . وأعتقد البعض الآخر أن المعنى عدم التوبة والرجوع إلى الله ( تفسير مجمع البيان ، والفخر الرازي ، ذيل الآية مورد البحث ) . وقال بعض آخر : إن هذه الآية من قبيل نفي النفي ، فتقول : إن من المحال أن لا يرجع هؤلاء في القيامة ، أي إنهم يرجعون ( تفسير منهج الصادقين ، ذيل الآية مورد البحث ) إلا أن ما أوردناه في المتن هو الأنسب من الجميع .