الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
24
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بعضهم السحرة ، وكان عددهم - على رأي بعض المفسرين - اثنين وسبعين ساحرا ، وقال آخرون إنهم بلغوا أربعمائة ، وذكر البعض أعدادا أكبر أيضا . وكان قسم من ذلك الجمع عبارة عن فرعون وأنصاره وحاشيته ، وأخيرا القسم الثالث الذي كان يشكل الأكثرية ، وهم الناس المتفرجون . هنا توجه موسى إلى السحرة ، أو إلى الفراعنة والسحرة ، وقال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى . وواضح أن مراد موسى من الافتراء على الله سبحانه هو أن يجعلوا شخصا أو شيئا شريكا له ، أو ينسبوا معجزات رسول الله إلى السحر ، ويظنوا أن فرعون إلههم ومعبودهم ، ومن المحتم أن الله سبحانه سوف لا يدع من ينسبون هذه الأكاذيب إلى الله ، ويسعون بكل قواهم لإطفاء نور الحق ، بدون عقاب . إن كلام موسى المتين الذي لا يشبه كلام السحرة بوجه ، بل إن نبرته كانت نبرة دعوة كل الأنبياء الحقيقيين ، ونابعة من صميم قلب موسى الطاهر ، فأثرت على بعض القلوب ، وأوجدت اختلافا بين ذلك الحشد من السحرة ، فبعض كان يناصر المواجهة والمبارزة ، وبعض تردد في الأمر ، واحتمل أن يكون موسى ( عليه السلام ) نبيا إلهيا ، وأثرت فيهم تهديداته ، خاصة وأن لباس موسى وهارون البسيط كان لباس رعاة الأغنام ، وعدم مشاهدة الضعف والتراجع على محياهما بالرغم من كونهما وحيدين ، كان يعتبر دليلا آخر على أصالة أقوالهما وصدق نواياهما ، ولذلك فإن القرآن يقول : فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى . إن من الممكن أن تكون هذه المسارة والنجوى أمام فرعون ، ويحتمل أيضا أن لا تكون أمامه ، وهناك احتمال آخر ، وهو أن القائمين على إدارة هذا المشهد قد تناجوا في خفاء عن الناس . إلا أن أنصار الاستمرار في المواجهة انتصروا أخيرا وأخذوا زمام المبادرة بيدهم ، وشرعوا في تحريك السحرة بطرق مختلفة ، فأولا قالوا إن هذان