الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

232

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وعلى كل حال ، فإنه ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ( 1 ) عليه فقد كان يظن أنه قد أدى كل رسالته بين قومه العاصين ، ولم يترك حتى " الأولى " في هذا الشأن ، فلو تركهم وشأنهم فلا شئ عليه ، مع أن الأولى هو بقاؤه بينهم والصبر والتحمل والتجلد ، فلعلهم ينتبهون من غفلتهم ويتجهون إلى الله سبحانه . وأخيرا ، ونتيجة تركه الأولى هذا ، ضيقنا عليه فابتلعه الحوت فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فقد ظلمت نفسي ، وظلمت قومي ، فقد كان ينبغي أن أتقبل وأتحمل أكثر من هذه الشدائد والمصائب ، وأواجه جميع أنواع التعذيب والآلام منهم فلعلهم يهتدون . وتقول الآية التالية : فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين أجل لم يكن هذا الأمر خاصا بيونس ، بل هو لطف الله الشامل فكل مؤمن يعتذر من ربه عن تقصيره ويسأله العون والمدد والرحمة فإن الله سيستجيب له ويكشف عنه غمه . * * * 2 بحوث 3 1 - قصة يونس ( عليه السلام ) ستأتي تفاصيل قصة يونس في تفسير سورة الصافات إن شاء الله تعالى ، أما ملخصها فهو : إن " يونس " كان لسنين طوال مشتغلا بالدعوة والتبليغ بين قومه في أرض نينوى بالعراق ، ولكن رغم كل ما بذله من جهود ومساع فإن إرشاداته وتوجيهاته لم تؤثر في قلوبهم ، فغضب وهجر تلك الأرض ، وذهب باتجاه البحر وركب

--> 1 - " نقدر " من مادة قدر بمعنى التعسير والتضييق ، لأن الإنسان عند التضييق يأخذ من كل شئ قدرا محدودا ، لا على نطاق واسع وبدون حساب .