الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

216

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

داود إلى أن الخسارة التي أصابت الكرم تعادل قيمة الأغنام ، ولذلك حكم بوجوب إعطاء الأغنام لصاحب البستان جبرا للخسارة ، لأن التقصير من جانب صاحب الأغنام . وينبغي الالتفات إلى أننا نقرأ في بعض الروايات أن على صاحب الأغنام أن يمنع غنمه من التعدي على زرع الآخرين في الليل ، كما أن من واجب صاحب الزرع حفظ زرعه في النهار ( 1 ) . أما معيار حكم سليمان ( عليه السلام ) فقد كان يرى أن خسارة صاحب البستان تعادل ما سينتفع به من الأغنام لسنة كاملة ! بناء على هذا فإن الاثنين قد قضيا بالحق والعدل ، مع فارق أن حكم سليمان كان أدق ، لأن الخسارة لا تدفع مرة واحدة في مكان واحد ، بل تؤدي بصورة تدريجية بحيث لا تثقل على صاحب الغنم أيضا . وإضافة إلى ما مر ، فقد كان هناك تناسب بين الخسارة والجبران ، لأن جذور النباتات لم تتلف ، بل ذهبت منافعها المؤقتة ، ولذلك فإن من الأعدل ألا تنقل أصول الأغنام إلى ملك صاحب البستان ، بل تنقل منافعها فقط . ونقول في جواب السؤال الثاني : لا شك أن حكم الأنبياء مستند إلى الوحي الإلهي ، إلا أن هذا لا يعني أن وحيا خاصا ينزل في كل مورد من موارد الحكم ، بل إن الأنبياء يحكمون حسب القواعد الكلية التي تلقوها من الوحي . بناء على هذا فإنه لا توجد مسألة الاجتهاد النظري بمعناها الاصطلاحي ، وهو الاجتهاد الظني ، ولكن لا مانع من أن يكون هناك طريقان لإيجاد ضابطة كلية ، وأن يكون نبيان كل منهما يرى أحد الطريقين ، وكلاهما صحيح في الواقع ، وكان الموضوع الذي عالجناه في بحثنا - على سبيل الاتفاق - من هذا القبيل كما

--> 1 - نقرأ في مجمع البيان في ذيل الآية مورد البحث : روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قضى بحفظ المواشي على أربابها ليلا ، وقضى بحفظ الحرث على أربابه نهارا . وقد نقل هذا المضمون في تفسير الصافي نقلا عن كتاب الكافي .