الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
163
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
سيكون دليلا على بطلان إدعائه . فيجيبهم القرآن في أول آية بجملة قصيرة فيقول : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد . إن قانون الخلقة هذا لا يقبل التغيير ، أي انه لا يكتب لأحد الخلود ، وإذا كان هؤلاء يفرحون بموتك : أفإن مت فهم الخالدون . ربما لا نحتاج إلى توضيح أن بقاء الشريعة والدين لا يحتاج إلى بقاء الرسول . فإن شرائع إبراهيم وموسى وعيسى ( عليهم السلام ) وإن لم تكن خالدة ، إلا أنها بقيت بعد وفاة هؤلاء الأنبياء العظام ( وبالنسبة لعيسى فإن شريعته استمرت بعد صعوده إلى السماء ) لقرون طويلة . وبناء على هذا فإن خلود المذهب لا يحتاج إلى حراسة النبي الدائمة له ، فمن الممكن أن يستمر خلفاؤه في إقامة دينه والسير على خطاه . وأما ما تصوره أولئك من أن كل شئ سينتهي بموت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فإنهم أخطأوا في ظنهم ، لأن هذا الكلام يصح في المسائل التي تقوم بالشخص . والإسلام لم يكن قائما بالنبي ولا بأصحابه . فقد كان دينا حيا - ينطلق متقدما بحركة الذاتية الداخلية ويخترق حدود الزمان والمكان ويواصل طريقه ! ثم يذكر قانون الموت العام الذي يصيب كل النفوس بدون استثناء فيقول : كل نفس ذائقة الموت . ويجب أن نذكر بأن لفظة ( النفس ) قد استعملت في القرآن بمعان مختلفة ، فأول معنى للنفس هو الذات ، وهذا المعنى واسع يطلق حتى على ذات الله المقدسة ، كما نقرأ : كتب على نفسه الرحمة ( 1 ) . ثم استعملت هذه الكلمة في الإنسان ، أي مجموع جسمه وروحه ، مثل : من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ( 2 ) . واستعملت أحيانا في خصوص روح الإنسان كما في أخرجوا
--> 1 - الأنعام ، 12 . 2 - المائدة ، 32 .