الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

143

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولما كان من الممكن أن يوجد هذا التوهم ، وهو : ما حاجة الله إلى إيماننا وعبادتنا ؟ فإن الآيات التي نبحثها تجيب أولا عن هذا التوهم ، وتقول : وله من في السماوات والأرض ، ومن عنده ( أي الملائكة ) لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ( 1 ) يسبحون الليل والنهار لا يفترون . ومع هذا الحال فأي حاجة لطاعتكم وعبادتكم ؟ فكل هؤلاء الملائكة المقربين مشغولون بالتسبيح ليلا ونهارا ، وهو تعالى لا يحتاج حتى لعبادة هؤلاء ، فإذا كنتم قد أمرتم بالإيمان والعمل الصالح والعبودية فإن كل ذلك سيعود بالنفع عليكم . وهنا نقطة تلفت الانتباه أيضا ، وهي أنه في نظام العبيد والموالي الظاهري ، كلما تقرب العبد من مولاه يقل خضوعه أمامه ، لأن يختص به أكثر ، فيحتاجه المولى أكثر . أما في نظام عبودية الخلق والخالق فالأمر على العكس ، فكلما اقتربت الملائكة وأولياء الله من الله سبحانه زادت عبوديتهم ( 2 ) . وبعد أن نفت في الآيات السابقة عبثية ولا هدفية عالم الوجود ، وأصبح من المسلم أن لهذا العالم هدفا مقدسا ، فإن هذه الآيات تتطرق إلى بحث مسألة وحدة المعبود ومدبر هذا العالم ، فتقول : أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ( 3 ) . وهذه الجملة في الحقيقة إشارة إلى أن المعبود يجب أن يكون خالقا ، وخاصة

--> 1 - " يستحسرون " في الأصل من مادة حسر ، وفي الأصل تعني رفع النقاب والستار عن الشئ المغطى ، ثم استعملت بمعنى التعب والضعف ، فكأن كل قوى الإنسان تصرف في مثل هذه الحالة ، ولا يبقى منها شئ مخفي في بدنه . 2 - الميزان ، ذيل الآيات محل البحث . 3 - " ينشرون " من مادة نشر ، أي فك الشئ المعقد الملفوف ، وهو كناية عن الخلق وانتشار المخلوقات في أرجاء الأرض والسماء . ويصر بعض المفسرين على اعتبار هذه الجملة إشارة إلى المعاد ورجوع الأموات إلى الحياة من جديد ، في حين أنه بملاحظة الآيات التالية سيتضح أن الكلام عن توحيد الله وأنه المعبود الحقيقي ، وليس عن المعاد والحياة بعد الموت .