الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

14

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فرعون ، تحرك من تلك الأرض المقدسة ، والتقى أخاه هارون - على حد قول المفسرين - قرب مصر ، ثم توجها معا نحو فرعون ، وتمكنا من الدخول إلى قصر فرعون الأسطوري برغم المشاكل الكثيرة . فلما أصبح موسى أمام فرعون وجها لوجه ، أعاد تلك الجمل الدقيقة المؤثرة التي علمه الله إياها أثناء الأمر بالرسالة : إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى . واعلم أيضا إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى . فلما سمع فرعون هذا الكلام ، كان أول رد فعله أن قال فمن ربكما يا موسى . والعجيب أن فرعون المغرور والمعجب بنفسه لم يكن مستعدا حتى أن يقول : من ربي الذي تدعيانه ؟ بل قال : من ربكما ؟ ! فأجابه موسى مباشرة بجواب جامع جدا ، وقصير في الوقت نفسه ، عن الله : قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ففي هذه العبارة الموجزة إشارة إلى أصلين أساسيين من الخلقة والوجود ، وكل واحد منهما دليل وبرهان مستقل يوصل إلى معرفة الله : الأول : إن الله سبحانه قد وهب لكل موجود ما يحتاجه ، وهذا أمر في غاية الأهمية مما يقتضي تأليف عدة كتب ، بل إن كثيرا من الكتب قد الفت في هذا المجال . إننا إذا دققنا قليلا في النباتات والحيوانات التي تعيش في كل منطقة ، سواء الطيور ، أو الحيوانات البحرية ، أو الحشرات والزواحف ، فسنرى أن لكل منها انسجاما تاما مع محيطها الذي تعيش فيه ، وكل ما تحتاجه فهو موجود تحت تصرفها ، فإن هيكل الطيور قد هيئها للطيران من ناحية شكلها ووزنها وحواسها المختلفة ، وكذلك تكوين وبناء الحيوانات التي تعيش في أعماق البحار . والثاني : مسألة هداية وإرشاد الموجودات ، وقد جعلها القرآن باستعماله ( ثم )