الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

129

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثم تعطي الآية التالية توضيحا أكثر حول كون الأنبياء بشرا ، فتقول : وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين . وجملة لا يأكلون الطعام إشارة إلى ما جاء في موضع آخر من القرآن في نفس هذا الموضوع : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق . ( 1 ) وجملة ما كانوا خالدين أيضا تكملة لنفس هذا المعنى ، لأن المشركين كانوا يقولون : كان من الأفضل أن يرسل ملك مكان البشر ، ملك له الخلود ، ولا تمتد إليه يد الموت ! فأجابهم القرآن بأن أيا من الأنبياء السابقين لم يكتب له الخلود حتى يكتب لرسول الله ( محمد ) الخلود و " البقاء في هذه الدنيا " . على كل حال ، فلا شك - كما قلنا ذلك مرارا - في أنه يجب أن يكون قائد البشر ومرشدهم من جنسهم ، بنفس تلك الغرائز والعواطف والأحاسيس والحاجات والعلاقات حتى يحس بآلامهم وعذابهم ، ولينتخب أفضل طرق العلاج باستلهامه من معلوماته ليكون قدوة وأسوة لكل البشر ، ويقيم الحجة على الجميع . ثم تحذر الآية وتهدد المنكرين المتعصبين العنودين ، فتقول : إنا كنا قد وعدنا رسلنا بل ننقذهم من قبضة الأعداء ، ونبطل كيد أولئك الأشرار ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين . أجل ، فكما أن سنتنا كانت اختيار قادة البشر من بين أفراد البشر ، كذلك كانت سنتنا أن نحميهم من مكائد المخالفين ، وإذا لم تؤثر المواعظ والنصائح المتلاحقة أثرها في المخالفين ، فإننا سنطهر الأرض من وجودهم القذر . ومن المعلوم أن المراد من " ومن نشاء " : الإرادة التي تدور حول معيار الإيمان والعمل الصالح ، كما أن من الواضح أيضا أن المراد من " المسرفين " هنا هم الذين أسرفوا في حق أنفسهم ومجتمعهم الذي يعيشون فيه عن طريق إنكار

--> 1 - الفرقان ، 7 .