الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

123

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وأساسا ، فإن هؤلاء يفرقون من كل جديد ، ويتمسكون ويفرحون لكل الخرافات القديمة التي ورثوها من الآباء والأجداد ، وكأنهم قد تعاهدوا عهدا دائما على أن يخالفوا كل حقيقة جديدة ، مع أن أساس تكامل الإنسان مبتن على أن يواجه الإنسان كل يوم مسائل جديدة . ثم تقول من أجل زيادة التأكيد : لاهية قلوبهم لأنهم في الظاهر يتخذون كل المسائل الجدية لهوا ولعبا - كما تشير جملة " يلعبون " إلى ذلك ، حيث وردت بصيغة فعل مضارع مطلق - وهم في الباطن مشغولون باللهو والمسائل التي لا قيمة لها ، والتي تجعلهم في غفلة عن الواقع . ومن الطبيعي أن مثل هؤلاء الأشخاص سوف لا يجدون طريق السعادة ، ولا يوفقون إليه . ثم تشير إلى جانب من الخطط الشيطانية فتقول : وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم ( 1 ) وإذا لم يكن سوى بشر اعتيادي ، فلابد أن تكون أعماله الخارقة ونفوذ كلامه سحرا ، ولا يمكن أن يكون شيئا آخر : أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ؟ قلنا : إن هذه السورة نزلت في مكة ، وفي تلك الأيام التي كان فيها أعداء الإسلام في غاية القوة والمنعة ، فأي داع يدعوهم لإخفاء كلامهم ، بل وحتى نجواهم ؟ ( وينبغي الالتفات إلى أن القرآن يقول إنهم كانوا يخفون حتى مناجاتهم ) . قد يكون ذلك من أجل أن هؤلاء كانوا يتشاورون في المسائل التي تتصف بالتخطيط والتآمر ، حتى يظهروا أمام عامة الناس موقفا واحدا ضد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . إضافة إلى أن هؤلاء كانوا من ناحية القوة متفوقين حتما ، إلا أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمسلمين كانوا من ناحية المنطق والقوة ونفوذ الكلام أكثر تفوقا ، وهذا التفوق هو الذي دفع هؤلاء إلى أن يتشاوروا في الخفاء لانتخاب الأجوبة المصطنعة في

--> 1 - في لغة العرب إذا كان الفعل اسما ظاهرا فيؤتى عادة بفعل مفرد ، إلا أن هذه ليست قاعدة عامة وثابتة ، بل يأتون - لعلل خاصة - بالفعل بصيغة الجمع وبالفاعل اسما ظاهرا وجملة وأسروا النجوى الذين ظلموا من هذا القبيل أيضا .