الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

121

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

غفلة معرضون . إن عمل هؤلاء يدل على أن هذه الغفلة عمت كل وجودهم ، وإلا فكيف يمكن للإنسان أن يؤمن باقتراب الحساب . . الحساب الدقيق المتناهي في الدقة ، ومع كل ذلك لا يكترث بالأمور ويرتكب أنواع الذنوب ! ! كلمة ( اقترب ) لها دلالة على التأكيد أكثر من ( قرب ) وهي إشارة إلى أن هذا الحساب قد أصبح قريبا جدا . والتعبير ب‍ ( الناس ) وإن كان يشمل عموم الناس ظاهرا ، وهو يدل على أن الجميع في غفلة ، إلا أن مما لا شك فيه أن الذين لهم قلوب واعية يقظة على الدوام ، ويفكرون بالحساب ويعملون له فهم مستثنون من هذا العموم . والجميل في الأمر أنه يقول : اقترب الحساب للناس ، لا أن الناس اقتربوا للحساب ، فكأن الحساب يسرع لاستقبال الناس . ثم إن الفرق بين " الغفلة " و " الإعراض " يمكن أن يكون من جهة أن هؤلاء غافلون عن اقتراب الحساب ، وهذه الغفلة هي تسبب الإعراض عن آيات الله سبحانه ، ف‍ " الغفلة عن الحساب " علة في الحقيقة ، و " الإعراض عن الحق " معلول لتلك العلة . أو أن المراد هو الإعراض عن نفس الحساب ، وعن الاستعداد للإجابة في تلك المحكمة الكبرى ، أي إنهم لما كانوا غافلين ، فإنهم لا يهيؤون أنفسهم لذلك ويعرضون عنه . وهنا يأتي سؤال ، وهو : ما معنى اقتراب الحساب والقيامة ؟ لقد قال البعض : إن المراد منه هو أن ما بقي من الدنيا قليل في مقابل ما مضى منها ، ولهذا فإن القيامة ستكون قريبة - قربا نسبيا - خاصة وأنه قد روي عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال : " بعثت أنا والساعة كهاتين " ( 1 ) وأشار إلى السبابة

--> 1 - مجمع البيان . ذيل الآيات مورد البحث .