الشيخ حسن المصطفوي
225
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
فالانسان باقتضاء جريان حياته الجسمانيّة وبرنامج أموره المادّيّة : لا يطلب إلَّا لذائذ ملائمة لها ، ولا يتمايل إلَّا إلى مشتهيات نفسانيّة ، فهو في محيط الرحمة والنعمة والسعة : يتوغَّل في الهوى وتمايلاته الدنيويّة ، ويديم مسيره في العيش والشهوات الحيوانيّة ، غافلا عن الحياة الروحانيّة والالتذاذات المعنويّة . وإذا وقع في محيط مضيقة وابتلاء : كان قنوطا عن مسيره وآيسا عن حياته الحيوانىّ المادّىّ وكفورا بالحقّ والسعادة الروحانيّة ، فانّه لا يريد إلَّا هذه الحياة الدنيا . * ( لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ ا للهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ) * - 60 / 13 . * ( إِنَّه ُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ ا للهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) * - 12 / 87 فالغضب يقابل الرحمة والروح ، وإذا خرج العبد عن محيط الرحمة ولم يكن مشمولا لرحمة الحقّ ولطفه وتوجّهه الخاصّ : فيكون مغضوبا عليه قهرا ، فانّ انقطاع الرحمة والروح هو المغضوبيّة والمضيقة . واليأس نتيجة التوغَّل في الحياة المادّيّة والانقطاع عن محيط الرحمة والروحانيّة ، فانّ الانسان حينئذ لا يتوقّع ولا يحصل له انتظار الوصول إلى مقصد ممّا وراء عالم المادّة والتمايلات الدنيويّة . * ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) * - 5 / 3 أي قد يئسوا من النفوذ والتصرّف والحكومة في دينكم ، حيث إنّهم شاهدوا سعة حكومتكم وقوّة اقتداركم ونفوذ أمركم ، وقد أكمل اللَّه عزّ وجلّ دينكم وهو الخضوع تحت برنامج روحانىّ إلهىّ ، وأتمم جميع الوسائل والشرائط اللازمة ، فلا تخشوهم بعد . فظهر أنّ الأصل في المادّة : هو انقطاع التوقّع والانتظار عن شئ ، وأمّا العلم فهو من آثار الأصل ، فانّ الانقطاع عن شئ : يلازم حصول تصميم قاطع في