الشيخ حسن المصطفوي
22
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والشجر والنموّ المادّىّ وغيرها . فالأصل فيه : خروج شيء مطلقا عن محلّ مطلق بالنموّ والرشد مادّيّا أو معنويّا . وأمّا التعبير في المصدر بالنبات دون الإنبات : فانّ الإنبات إفعال وهو يدلّ على جهة نسبة الحدث إلى الفاعل وقيامه به ، وهذا المعنى يستفاد من أنبت ، وتكرير مصدره لا يزيد إلَّا تأكيدا كما في باب المفعول المطلق ، وأمّا النبات فيدل على استمرار وامتداد في مفهوم النموّ والرشد نفسه ومن حيث هو ، فانّه مصدر مجرّد ، والألف يدلّ على استمرار ، فقوله تعالى - أنبَتكم نباتا : فيه دلالة على لحاظ قيام الفعل بالفاعل ، وعلى استمرار النموّ والرشد . وفي المفعول المطلق يكفى ما يدلّ على مفهوم الفعل ، ولو لم يكن من مادّة الفعل . * ( فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِه ِ جَنَّاتٍ ) * . . . . * ( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ ) * - 23 / 21 الباء للربط والمصاحبة ، أي تنبت تلك الشجرة مرتبطة ومصاحبة بالدهن وصِبغ للآكلين . والصبغ ما يصبغ به ، والصبغ مصدرا غمس في شيء يوجب تغيّرا وتحوّلا في حالته ظاهرا أو باطنا . والتكير في الصبغ : إشارة إلى نوع من أنواع الصبغ ، ومن ذلك غمس الخبز في الإدام والزيتون . ولا يناسب التعديّة : فانّ الشجرة لا تنبت دهنا فقط وبنحو اطلاق . * ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه ُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه ِ نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً ) * - 18 / 47 حقيقة الحياة عبارة عن تجلَّى نور الحىّ الثابت الواجب والإفاضة منه . والحياة الدنيا عبارة عن مرتبة ضعيفة نازلة متجلَّية في هذا العالم المادّىّ ، وهذه الحياة المتظاهرة المتجلَّية كالنباتات الخُضر المتلوّنة اللطيفة الجالبة بإشراب الماء فيها ، فلا تقوّم لها في أنفسها ، وإنّما حياتها بالماء .