الشيخ حسن المصطفوي
44
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
هي مأخوذة من الآراميّة والسريانيّة والعبريّة ، مضافا إلى تناسب بينها وبين مفهوم التجمّع والتلبّد ، حيث إنّ السرير يصنع من موادّ متلبّدة متجمّعة حتّى يعلو الأرض ومجالس الناس ويستقرّ صاحب السرير عليه . والمعمول في سرير الملوك أن يكون مرتفعا له طبقات ، حتّى يشرف الملك على الجلساء ويعلو عليهم ويحيط بهم . وقد استعملت الكلمة في القرآن الكريم ، بناء على هذا المعنى المتعارف المعلوم المعروف . فالكرسىّ حقيقة ما يستقرّ عليه شخص ، وأمّا خصوصيّات مادّته وشكله وسائر جزئيّاته : فغير مأخوذة في مفهومه ، وتختلف باختلاف الموارد والأشخاص والاقتضاءات العرفيّة . فقد يعتمل من فضّة أو ذهب أو ممّا يقوّم بأضعاف قيمتهما ، ويصنع صغيرا يختصّ برجل واحد وكبيرا لجماعة ، وهكذا سائر الجهات . فالكرسي المناسب لله المتعال : لا بدّ وأن يكون من جهة العظمة والسعة والارتفاع بمقدار يحيط جميع السماوات والأرض وما بينهما من خلقه ، حتّى يشرف عليهم ويحيط بهم ويكون الخلق جميعا تحت سلطته وقيّوميّته وحكمه وأمره ونفوذه ، بحيث لا يعزب عنه شيء . وأمّا من جهة المادّة : فلا بدّ أن يكون مناسبا له والعالم اللاهوت وممّا وراء عوالم المادّة والجسمانيّة ، بل ومن وراء عالم الجبروت . فتفسير الكرسىّ بالجسمانيّات وما يقارنها وإن عظمت : انحراف وضلال عن الحقيقة ، بل تنزيل الربّ القيّوم المحيط بمنزلة المربوب المحاط . وأمّا الفرق بين الكرسىّ والعرش : فانّ الكرسىّ انّما يتصوّر بعد وجود الخلق ، والنظر فيه إلى جهة الإشراف والتوجه والإحاطة إلى الخلق ، والى استمرار السلطة والحكومة عليهم . والعرش : يلاحظ فيه جهة الاستواء عليه ، حتّى يدبّر أمره في الخلق تكوينا