الشيخ حسن المصطفوي

209

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

* ( مُعْرِضُونَ ) * - 23 / 2 المؤمن هو يديم حياته تحت برنامج دين اللَّه تعالى ، ويعمل على مقتضى أحكامه وأوامره ونواهيه ، وهو عبد مطيع لمولاه ، لا يغفل عن وظائف عبوديّته طرفة عين ، وهو معتقد بأنّ اللَّه عزّ وجلّ يرى مقامه ويسمع كلامه ، وما يعمل مثقال ذرّة من خير أو شرّ إلَّا ويصل اليه أثره في الدنيا وفي الآخرة . فكيف يمكن له أن يشتغل بلغو يشغله عن التوجّه اليه وعن العمل بوظائف عبوديّته ، ويكون حاجبا بينه وبين ربّه . وهذا المعنى غير مخصوص بالمؤمنين من المسلمين ، بل المؤمنون باللَّه وبيوم القيامة والجزاء من أهل الكتاب أيضا مثلهم ، فانّ هذا الأمر من المسائل العقليّة والأخلاقيّة والوجدانيّة ، وعلى هذا يقول اللَّه تبارك وتعالى : * ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِه ِ هُمْ بِه ِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا ) * . . . . * ( وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْه ُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ) * - 28 / 55 فيصرّحون بأنّ اللاغين لا ينبغي مصاحبتهم فانّهم جاهلون بما لهم وعليهم من خير وشرّ ، وغافلون عن ربّهم وعن وظائف العبوديّة وعن السعادة الأبديّة . ويدلّ على أهمّيّة الإعراض عن اللغو : ذكره في المرحلة الأولى بعد ذكر شهادة الزور والتوبة إلى اللَّه تعالى : * ( وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّه ُ يَتُوبُ إِلَى ا للهِ مَتاباً وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ) * - 25 / 72 الكريم يجمع على كرام ، والكرامة في قبال الهوان ، يراد إنّ مرورهم عن اللغو تكريم لأنفسهم ، وحفظ لهم عن الهوان والسقوط ، وهذا أوّل مرتبة التقوى بعد تحقّق التوبة إلى الله المتعال ، وفيه آية الجدّ والتصميم والاستقامة في السير والتوبة .