الشيخ حسن المصطفوي
116
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والتحقيق أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو العمى الشديد وفقدان الباصرة الملازم تحيّرا . ومن مصاديقه العمى من أوّل الولادة . والعمى الحادث الشديد الملازم تحيّرا . ويستعار في الضعف للباصرة بحيث لا ترى إلَّا في ضوء النهار . وفي الغبرة الموجبة للانكدار . وبينها وبين العمى والعمه اشتقاق أكبر . * ( وَأُبْرِئُ الأَكْمَه َ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ ا للهِ ) * - 3 / 49 . * ( وَتُبْرِئُ الأَكْمَه َ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي ) * - 5 / 110 الكمه والبرص والموت ممّا يمتنع علاجه ، فانّ الكمه والموت فقدان الباصرة والحياة الحيوانيّة من أصلهما . والبرص إذا كان مزمنا ونافذا في الداخل غير ممكن العلاج ، ولا سيّما في الأزمنة القديمة . وهذا هو الإعجاز الَّذى يعجز البشر عن إتيان مثله ، سواء استمسك بقدرته أو بوسائل أخرى ممكنة . وحقيقة الإعجاز : هو إرادة الله عزّ وجلّ الَّذى به يوجد الأشياء من غير حاجة إلى مادّة أو وسيلة ، وإذا وقع الإعجاز بوساطة بشر أو ملك : فهو بلحاظ فناء إرادة العبد في إرادة مولاه ، بحيث يكون المؤثر والنافذ المريد هو الله عزّ وجلّ ، فانّ الفناء كمال ارتباط روحانىّ وظهور سطوة وسلطان ، وغلبة نور جلال وعظمة ، حتّى يصير نفسه مقهورا وفانيا تحت نفوذه نوره ، ويكون إرادته ومشيّته بإرادة الله ومشيّته . وهذا حقيقة إذن الله تعالى في أفعال العبيد ، كما أنّ حقيقة العبوديّة أيضا هي هذا المعنى ، وهذا المعنى حقيقة - عبدي أطعني حتّى أجعلك مثلي . كند مقا ( 1 ) - أصل صحيح واحد يدلّ على القطع ، يقال كند الحبل يكنده كندا .
--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه .