الشيخ حسن المصطفوي

333

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وبمناسبة هذا المعنى تستعمل الكلمة في موارد مفاهيم - المقدار ، الطول . والقيد بوجود الياء فيه : يدلّ على تأثير عميق نافذ في المعمول . * ( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) * - 53 / 9 قلنا إنّ الدنوّ هو القرب على سبيل التسفّل والانحطاط مادّيّا أو معنويّا . والتدلَّى هو الاسترسال مع انحدار . والقوس هو انعطاف في جريان أمر . أي إنّ الرسول ص ، في الأفق الأعلى من المراتب الروحانيّة العالية ، وقد تقرّب متواضعا خاشعا متسفّلا ، وانحدر عن تمام تشخّصاته ومنيّته ، حتّى كان الأفق فيما بينه وبين الله المتعال قاب قوسين ، أو أقرب منه . وأمّا وجود القوسين الممتدّين : عبارة عن الحدّين حدّ الحدود الذاتيّة الامكانيّة ، وحدّ الحدود الخارجيّة الجسمانيّة من الزمان والمكان وغيرهما . وهذان الحدّان متلازمان للبشر أىّ بشر كان ، ولو بلغ إلى نهاية بلوغه وكماله ، وحصل له أقصى مرتبة الفناء والبقاء واللقاء : * ( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ ) * - 18 / 110 راجع الوحي . وأمّا التعبير عن الحدّين بالقوسين : فانّ فيهما انحناء عن تجلَّى نور الوجود وفي جريان الفيض المنبسط ، بسبب حصول هذين القيدين . فظهر لطف التعبير بالكلمات في الآية الكريمة . وظهر أيضا أنّ ضمير كان راجع إلى الأفق ، أي صار قاب قوسين ، وفي مرحلة يريد رفع القيدين والحجابين حتّى يلحق بالنور الأتمّ - حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلَّقة بعزّ قدسك . قوت مقا ( 1 ) - قوت : أصل صحيح يدلّ على إمساك وحفظ وقدرة على الشيء .

--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه‍ .