الشيخ حسن المصطفوي
260
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
عنها وتزويج ما طاب لكم من حيث الاطمينان بالتقسيط وإيفاء الحقوق ونفى الإضرار . فانّ الانصراف عنها وتركها أهون من الوقوع في تضييع حقوقها . * ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّه ُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا ) * . . . . * ( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) * - 72 / 14 القاسط في هذا المورد واقع في قبال المسلم ، والمسلم من أسلم لربّه وفوّض أمره اليه ورضى بحكمه وقضائه وتقديره وعدله وتقسيطه ، فانّ مرتبة التسليم الحقّ فوق مراتب التفويض والرضا ، والتعلَّق بتقسيط ماله من الأموال والحقوق على نفسه : هو مرتبة شديدة من التعلَّق بالدنيا والنفس ، فهو متوجّه ومحبّ لنفسه وماله في مقابل التوجّه والمحبّة لله عزّ وجلّ . فالتقسيط في الآية الكريمة مستعمل في معناه الحقيقىّ ، إلَّا أنّه لمّا ذكر في قبال التسليم : يستفاد منه مفهوم الانحراف والعدول عن الحقّ والاعوجاج والجور . وهذا كما في الإنفاق على الناس ، والبخل وصرف ماله لنفسه : فانّ الإنفاق في الناس ممدوح ، وفي نفسه مذموم . وأمّا المقسط من الأسماء الحسنى : فانّ الله عزّ وجلّ بعلمه وقدرته وعدله وإحاطته ونفوذه التامّ ، يقسط الأرزاق وما يحتاج اليه كلّ موجود عليها ، بحيث يوفى كلّ شيء بحقّه ، ولا يحرم شيء عن حقّه ، فهو المقسط على كلّ شيء ، من جماد ، أو نبات ، أو حيوان ، أو إنسان ، أو من العوالم العلويّة ، فلا يغفل عن شيء وعن حقّه . فظهر أنّ الأصل الواحد في المادّة هو إيفاء الحقّ إلى مستحقّه ، وهذا المعنى ينطبق على جميع موارد استعمالها . ولا تستعمل المادّة في مورد العدل والجور والانحراف وغيرها .