الشيخ حسن المصطفوي
151
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
ثمّ إنّ الفائت أعمّ من أن يكون من الأموال أو من المشتهيات النفسانيّة أو من العناوين الدنيويّة والمناصب الرسميّة ، بل ويشمل الحظوظ المعنويّة الفائتة أيضا ، فانّ الحزن والتأسّف على ما فات ولم يصل اليه ولم يدركه : لا أثر ولا فائدة فيه ، بل ولا ينتج إلَّا خللا في نظم الأمور واضطرابا في المعيشة وانكدارا وتهاونا . وإنّ الرجل من يعمل ويجاهد لما يستقبله ، ويغتنم الفرصة الحاضرة ، ويراقبها حتّى لا تفوت عنه ، وأمّا ما فات فقد مضى وفات . وأمّا ما أتاه أو وصله : فاللازم عند العقل هو الاستفادة الحسنة منه والاستنتاج المطلوب بمقدار الميسور منه . وأمّا الفرح المجرّد : فلا يوجب إلَّا غفلة وغرورا وتهاونا في العمل . والتعبير بكلمة - ما - الموصولة : إشارة إلى العموميّة في المقامين . ولا يخفى أنّ الفوت إنّما يتحقّق في الحياة الدنيا المادّيّة ، فانّها محدودة ذات موانع ، وفيها عوارض مخالفة وصوارف مواجهة ، ودار ضعف وفقر وحاجة وابتلاء . وهذا بخلاف الحياة الآخرة الروحانيّة : فلا يكون فيها فوت وفائت بوجه في فكر وخلق وعمل وفي أىّ موضوع ، فانّها دار حياة ليس فيها ممات ، ودار خلوص ليس فيها اختلال : * ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) * - 29 / 64 . * ( وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) * - 18 / 49 . * ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ) * - 67 / 3 قلنا إنّ التفاعل يدلّ على استمرار ومطاوعة واختيار في الفوت ، وليس معناه ما هو المتفاهم في العرف بمعنى الافتراق . أي لا ترى في خلقه من فوت شيء وكمال وخصوصيّة لازمة ، حتّى يكون في خلقه ضعف ونقص وعيب ، يكشف عن ضعف في الخالق تعالى .