الشيخ حسن المصطفوي

146

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

* ( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْه ُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرامِ ) * - 55 / 26 أي كلّ موجود على الأرض فهو يفنى وتزول خصوصيّاته وامتيازاته وجميع مشخّصاته الأرضيّة المادّيّة ، إلَّا ما يكون وجها للربّ ، ويبقى وجه الربّ ووجهته الباقية بالربّ بعد فناء سائر الجهات . والنظر في الآية الكريمة إلى من هو على الأرض : ولا نظر إلى من هو في السماء ، والى ما هو في الأرض : فانّ الفناء وتحقّق الوجهيّة في الأوّل تكوينىّ في الجملة . وفي الثاني يحتاج إلى سير تكوينىّ طبيعىّ في مراحل . والتعبير بالاسميّة في - فان ، وبصيغة المضارع في - يبقى : إشارة إلى تحقّق الفناء في من على الأرض وكونها متّصفة به بذاتها والى استمرار البقاء في الوجه لله تعالى . والتعبير بالربّ : إشارة إلى أنّ البلوغ إلى مرتبة الفناء عن غيره تعالى إنّما يتحصّل بتربية الله عزّ وجلّ وبتأييده ، فانّ هذا المقام منتهى درجة العارفين با لله وأوليائه المقرّبين ، وهو مقام اللاهوت . وعلى هذا يوصف بقوله تعالى - ذو الجلال والإكرام : فانّ الوجه أعلى مرتبة من التجلَّى والظهور ، ووجه كلّ شيء ما يواجه به وما يتوجّه اليه والمنظر المرأى من الشيء ، والتوجه لله ما يكون مظهرا تامّا ومرأى صافيا خالصا من كلّ شوب وانكدار ، لا يرى فيه إلَّا الله تعالى . وفي ذلك المقام يكون صاحب عظمة وجلال وارتفاع شأن ، ويجب إكرامه وتعظيمه وتجليله والتوجّه اليه ، فانّه وجه الله تعالى ، وهو باق ببقاء الله وفان في نوره عزّ وجلّ . وقريب من الآية الكريمة : * ( وَلا تَدْعُ مَعَ ا للهِ إِلهاً آخَرَ لا إِله َ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ لَه ُ الْحُكْمُ وَإِلَيْه ِ تُرْجَعُونَ ) * - 28 / 88 والهلاك في قبال الحياة ، وهو أعمّ من الممات والفناء ، أي سقوط