الشيخ حسن المصطفوي
119
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
في الغنى : هو الغنى بذاته وفي ذاته ومن جميع الحيثيّات ، وينحصر هذا المعنى في ذات الواجب عزّ وجلّ . فالفقر الذاتىّ يعمّ قاطبة مراتب الموجودات الممكنة ، إذ انّها فقيرة بذاتها وليس لها من أنفسها حياة ولا وجود ولا قوّة ولا قدرة ولا بقاء . لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا . * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى ا للهِ وَا للهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) * - 35 / 15 . * ( وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِه ِ وَا للهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ) * - 47 / 38 هذا حقيقة الأمر في الإنسان وفي سائر الموجودات . ولكنّ الإنسان المادّىّ المحجوب يتخيّل أنّ الفقر والغنى إنّما يتحقّقان في موضوع المال والثروة والتمكَّن الظاهرىّ الدنيوىّ ، غافلا عن أنّ الحياة الدنيا متاع قليل محدود ، بل ولا يأمن الإنسان على بقائه واستمراره وحفظه من الآفات ، مضافا إلى فقر في نفسه وقواه . فهو يخاف من الفقر ، مع أنّ الفقر جوهر وجوده ومن لوازمه ، والعلم بحقيقة فقره غاية المعرفة وكمال الإدراك ، إذ به يصل الإنسان إلى إدراك حقيقة الغنى في الله عزّ وجلّ . وبناء على هذا التخيّل والوحشة : يخوّف الشيطان أولياءه عن الفقر والاحتياج : * ( أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ) * . . . . * ( وَاعْلَمُوا أَنَّ ا للهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) * - 2 / 268 نعم إنّ منتهى رغبة أهل الدنيا وغاية مطلوبهم : هو الغنى المادّىّ وقلع مادّة الفقر في حياتهم الدنيويّة ، وهذا هو حقيقة التعلَّق بالدنيا ومحبّة التعيّش بالعيش المادّىّ . والشيطان إنّما يخوّفهم من هذا الطريق ويذكَّرهم زوال الحياة الدنيا بالفقر . وهؤلاء المتوغَّلون في الحياة الدنيا : يحسبون الفقر في الآخرة أيضا أشدّ