الشيخ حسن المصطفوي
115
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
وأمّا الكافرون والمنافقون الَّذين يخالفون اللَّه ورسوله من جميع الجهات خلقا وعملا وفكرا : فليس لهم من نور اللَّه وجمال صفاته شيء ، فهم محجوبون متوغَّلون في الظلمات والجهل . نعم إنّهم يتوهّمون أنّ العزّة وسائر الكمال والجمال والتفوّق والاستعلاء انّما تتحقّق في عالم المادّة وبالأمور المادّيّة الدنيويّة غفلة عن كونها متحوّلة اعتباريّة فانية ليست بثابتة دائمة ولا يزيد لصاحبها كمالا وعزّا في نفسه : * ( وَلِلَّه ِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّه ِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِه ِ ) * . وإنّهم غافلون عن أنّ حقيقة الهوان والذّلة للنفس الانسانىّ في الانحراف عن مبدأ العزّة والجمال وفي الانعزال عن ربّ العزّة ، * ( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ ا للهَ وَرَسُولَه ُ أُولئِكَ فِي الأَذَلِّينَ ) * - 58 / 20 فالعزيز : على الإطلاق وفي الحقيقة هو اللَّه تعالى ، فانّ العزّة من آثار الوجود الواجب القادر العالم الحىّ المطلق ، وكما أنّ وجود سائر الموجودات الممكنات وصفاتها من إفاضات الحقّ المتعال ومن رشحات انبساط فيضه ورحمته : كذلك العزّة المتراءى فيهم بمراتبها المختلفة منه تعالى وبه : * ( قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ) * - 3 / 26 . فهو تعالى عزيز متفوّق على جميع الموجودات ، وكلّ في مقابل عظمته وجلاله متذلَّل وفي هوان وصغار وفقر وحاجة اليه . وأمّا العزّة الحاصلة بسبب أمور خارجيّة عارضيّة : كالاستمداد بشخص : * ( إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ) * - 36 / 14 أي جعلناهما متفوّقين عزيزين به . وكالغلبة في الاحتجاج والكلام : * ( وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ) * - 38 / 23