الشيخ حسن المصطفوي

295

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

معنى الغير مصدرا صيرورة شيء سواه ، وفي المورد يصير الرجل متولَّيا ونافعا ومباشرا لأمورهم ، فصار غيرهم وقام في مقامهم ، ولا يبعد أن يكون هذا الاشتقاق بمعنى الميرة انتزاعيّا . ومن هذا المعنى : غيرة الرجل على أهله ، وهو أن يتولَّى بحفظ منافعهم . وأمّا كلمة غير : فالتحقيق أنّه اسم من المادّة ، وإعرابه إمّا على كونه وصفا تابعا ، أو على الحاليّة كما في صورة الاستثناء أو بعوامل أخرى . * ( قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) * ، * ( أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ) * ، * ( عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) * ، * ( بِغَيْرِ عَمَدٍ ) * ، * ( أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ا للهِ ) * ، * ( أَغَيْرَ ا للهِ تَدْعُونَ ) * ، * ( إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ) * . . . . * ( تَقُولُونَ عَلَى ا للهِ غَيْرَ الْحَقِّ ) * . فالمعنى في كلمة التغيير : جعل شيء سوى حالته الأوليّة ، وهذا على ما هو الأصل : * ( إِنَّ ا للهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) * - 13 / 11 . * ( ذلِكَ بِأَنَّ ا للهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) * - 8 / 53 فان الرحمة والنعمة واللطف إنّما تنزل من الله الحكيم على حسب اقتضاء المحلّ وبحسب مقدار سعة فيه ، وعلى وفق الاستعداد والقابليّة ، فإذا تغيّر المحلّ سعة وضيقا وقابليّة واستعدادا واستقبالا : تغيّرت كيفيّة الرحمة والنعمة وكمّيّتها إلى أن تصير نقمة وعذابا : * ( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ) * - 13 / 17 فللإنسان أن يزكَّى نفسه ويصلحه ، وأن يدفع عنه الزيغ والضيق والظلمة والاضطراب ، حتّى يستعدّ لنزول النور والرحمة . * ( وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ا للهِ ) * - 4 / 118 فإنّ عيش الإنسان وحياته يكون سالما وصالحا إذا كان على وفق الطبيعة ، والطبيعة المستفادة في المعيشة : إمّا في خلق أنفسهم وفيما يتعلَّق بهم ، أو فيما يستفيدون منها في إدامة حياتهم .