الشيخ حسن المصطفوي

210

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

للحجرة الَّتى في جهة الارتفاع إنّها غرفة ، وكأنّها قد رفعت من السطح السافل ، والأجمة المرتفعة ، والشجرة الَّتى فيها ارتفاع ، والفرس إذا رفع أرجلها في العدو . وأمّا قيد اليد أو رفع مقدار معيّن أو من الماء : فليست مأخوذة في مفهوم الأصل ، ويدلّ عليه ذكر كلمة اليد والغرفة والماء بعد ذكر المادّة ، فيقال - اغترف الماء بيده غرفة . والغرفة فعلة وتدلّ على ما يفعل به كاللقمة بمعنى ما يلقم ، فالغرفة تدلّ على مقدار معيّن يرتفع ، كالحجرة المرتفعة ، والخصلة من الشعر . والفرق بين المادة وبين مادّة الرفع : أنّ الرفع تستعمل في المادّيّات والمعنويّات ، بخلاف الغرف ، فانّها تستعمل في الأمور المادّيّة وما يشابهها صورة وتصوّرا ، كغرف الجنّة . فانّها قد نزّلت منزلة الغرف المادّيّة المحسوسة - راجع الرفع . * ( فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ ا للهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْه ُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْه ُ فَإِنَّه ُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِه ِ فَشَرِبُوا مِنْه ُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ) * - 2 / 249 وهذا ، مضافا إلى وجود صلاح في ذلك الأمر ، كاختلاط ماء النهر بموادّ معدنيّة مضرّة ، ولا اقلّ موجبة لحدوث العطش الشديد : امتحال وابتلاء عظيم ، ليعلم من يطيعه في أمره ممّن يعصيه ويخالفه . وأيضا هذا العمل يكون تمرينا لجهاد النفس وممارسة الصبر والاستقامة ، وترك اللذات النفسانيّة ، أو تقليلها . * ( لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * - 39 / 20 . * ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي ) * - 29 / 58 . * ( أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ) * - 25 / 75 فهؤلاء المتّقون عن لذّات الحياة الدنيا والَّذين آمنوا وعملوا الصالحات وصبروا واستقاموا في سبيل الحقّ : لهم غرف في الجنّة ومساكن عالية مرتفعة تشرف على أكنافها ، وهي من أعلى منازل الجنّة ومن أسناها وأرفعها مقاما :